المعنى الإجمالي :
يوم ندعو كل قوم بإمامهم الذي يأتمون به من دين أو زعيم، أو ندعو كل إنسان بكتاب أعماله، فالسعداء يأخذون كتابهم بيمينهم والأشقياء الذين عموا عن طريق الهدى في الدنيا ؛ يبعثون على حالتهم من العمى والضلال، بل هم في الآخرة أشد عمى، وأبعد عن سبيل الخير.
وقد أوشك هؤلاء الكافرون أن يوقعوك : لتنصرف عن الذي أوحين إليك ؛ لتختلق علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا.
ولقد شملت لطفنا، فصرفناك عن الاستجابة لهم، وثبتناك على الحق، ولولا ذلك لأوشكت أن تميل إلى استجابتهم ؛ طمعا في أن يكمل إيمانهم يوما إذا دخلوا في أوائل الإسلام، ولو ركنت إليهم ؛ لجمعنا عليك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، ثم لا تجد لك علينا نصيرا.
ولقد حاول كفار مكة وكادوا أن يزعجوك بعداوتهم ومكرهم ؛ ليخرجوك من مكة، وإذا فعلوا فلا يلبثون بعدك إلا قليلا ثم يهلكهم الله، لقد جرت سنتنا بأن الأمم التي تلجأ رسلها إلى الخروج من أرضها، لا بد أن يصيبها الوبال والنكال.
المفردات :
وإن كادوا ليفتنوك : إن مخففة من إن، وكادوا أي : أوشكوا- ليفتنونك- أي : ليوقعونك في بلية ؛ بصرفك عما أوحي إليك.
تركن : أي : تميل. يقال : ركن إليه يركَن، وركن إليه يركُن ركونا، مال إليه.
التفسير :
٧٤، ٧٣- وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن تبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا .
إخبار عن تأييده تعالى رسوله، صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته، وتولى أمره وحفظه. فإن المشركين، لكثرة تفننهم في ضروب الأذى، وشدة تعنتهم وقوة شكيمتهم، كادوا أن يفتنوه، ولكن عناية الله وحفظه، هو الذي ثبت قدمه في مثل مقامه، في الدعوة إلى الله الذي لا يثبت فيه أحد غيره.
وقد روى : أن ثقيفا قالوا : لا نؤمن حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا ننحني في الصلاة، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا بالات سنة من غير أن نعبدها، فإن خشيت أن يقول العرب : لم أعطيتهم ما لم تعطنا ؟ فقل : الله أمرني بذلك.
وروي : أن قريشا قالوا : لا ندعك يا محمد أن تستلم الحجر الأسود حتى تمس آلهتنا. وقالوا أيضا : نؤمن بك إن تمس آلهتنا.
قال الإمام الطبري :
يجوز أن تكون الفتنة ما ذكر وأن تكون غير ذلك، ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أي ذلك كان. فالأصوب الإيمان بظاهره ؛ حتى يأتي ما يجب التسليم له ببيان ما عنى بذلك منه.
وفي ضلال القرآن :
يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأولها محاولة فتنته عما أوحى الله إليه ؛ ليفتري عليه غيره وهو الصادق الأمين.
لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى... منها : مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم.. ومنها : طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء..
والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها ؛ ليذكر فضل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته ؛ لركن إليهم فاتخذوه خليلا١.
ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا .
أي : ولولا تثبيتنا إياك وعصمتك عما دعوك إليه لقاربت أن تميل إلى ما يريدون.
وخلاصة ذلك : أنك كنت على أهبة الركون إليهم، لا لضعف منك، بل لشدة مبالغتهم في التحيل والخداع، ولكن عنايتنا بك منعتك أن تقرب من الركون، فضلا عن أن تركن إليهم.
وعن قتادة : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم :( اللهم، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة