ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

و لا يأتون : جواب القسم ؛ الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابًا للشرط، ولم يُجزَمْ ؛ لكون الشرط ماضيًا، كقول زهير١ :

فإن أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسألَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَا لي وَلاَ حَرَمُ
ثم نوّه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال : قل لئن اجتمعت الإِنسُ والجِنُّ ، واتفقوا على أن يأتوا بمثْلِ هذا القرآنِ المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، لا يأتون بِمثله أبدًا ؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس : إنما عجزوا عنه ؛ لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأنَّ غيرهما قادر على المعارضة. وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل : لا يأتون به ؛ لئلا يتوهم أن له مثلاً معينًا، وإيذانًا بأن المراد نفي الإتيان بمثَلٍ مَّا، أي : لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا أي : ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر، أي : لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو كان. . . الخ. ومحله النصب على الحالية، أي : لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يُقلبها كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفَعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب ؛ لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله.
قال القشيري : سُنَّةُ الحقِّ مع خيار خواصه ؛ أن يُدِيم هم شهود افتقارهم إليه ؛ ليكونوا في جميع الأحوال مُنْقادين بجريانِ حُكْمِه، ثم قال : والمرادُ والمقصودُ : إدامة تَفَرُّدِ سِرِّ حبيبه به، دونَ غيره. هـ. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنًا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يُزال منه إذا طغى به. والله تعالى أعلم.


١ البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص١٥٣، والإنصاف ٢/٢٦٥، وخزانة الأدب ٩/٤٨، والدرر ٥/٨٢، ورصف المباني ص١٠٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/٨٥، وشرح التصريح ٢/٢٤٩، والكتاب ٣/٦٦، ولسان العرب (خلل)، (حرم)..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير