وَما أُوتِيتُمْ العالم كله، وليس المراد: السائلين فقط، أو اليهود بجملتهم، كما قال بعضهم.
فالله تعالى لم يطلع الناس من علمه إلا على القليل، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى. والخلاصة: أن علم الناس في علم الله قليل، والذي يسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى.
إعجاز القرآن
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٦ الى ٨٩]
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩)
الإعراب:
وَلَئِنْ شِئْنا اللام لام القسم، أو الموطئة للقسم، ولَنَذْهَبَنَّ: جوابه النائب مناب جواب الشرط، أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور.
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ اللام لام القسم أو الموطئة للقسم، وإن: حرف شرط، وجوابه محذوف قام مقامه قوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وليس هذا جوابا للشرط، لإثبات نون يَأْتُونَ وإنما هو جواب قسم مقدر هيّأته لام لَئِنْ. والتقدير: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فو الله لا يأتون بمثله.
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ الاستثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تركه ولم يذهب به، ويجوز أن يكون متصلا.
المفردات اللغوية:
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور وَكِيلًا يتوكل ويلتزم استرداده محفوظا مسطورا، بعد الذهاب به إِلَّا رَحْمَةً استثناء متصل، أي إلا إن نالتك رحمة الله، فلعلها تسترده عليك، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا بمعنى:
لكن رحمة من ربك أبقيناه، فيكون ذلك امتنانا بإبقائه بعد المنة في تنزيله إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً عظيما، بإبقائه في حفظه، كإرساله وإنزاله، وكذلك بإعطائك المقام المحمود، وغير ذلك من الفضائل.
عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ في الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان، وأهل النثر والنظم. وهو جواب قسم محذوف، دل عليه اللام الموطئة للقسم. ظَهِيراً معينا في تحقيق المراد. وهو رد لقولهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال ٨/ ٣١].
صَرَّفْنا بينا، وكررنا ورددنا بوجوه مختلفة، زيادة في التقرير والبيان. مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه موقعا في الأنفس أو هو صفة لمحذوف أي مثلا من جنس كل مثل، ليتعظوا أَكْثَرُ النَّاسِ أهل مكة وغيرهم إِلَّا كُفُوراً جحودا للحق.
سبب النزول: نزول الآية (٨٨) :
قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ.. الآية:
أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال: أتى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سلام بن مشكم في عامة من يهود سماهم، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قبلتنا؟ وإن هذا الذي جئت به، لا نراه متناسقا، كما تناسق التوراة، فأنزل علينا كتابا نعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله: قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ الآية.
المناسبة:
بعد أن امتن الله تعالى على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالنبوة وبإنزال وحيه عليه، وبتنزيل القرآن شفاء للناس، امتن عليه أيضا ببقاء القرآن محفوظا، رحمة بالناس، وذكّر
ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر، وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإتيان بمثله، مع اشتماله على أصح القواعد، وأقوم الحكم والأحكام والآداب المفيدة للدنيا والآخرة، بل إن فصحاء اللسان الذي نزل به، وبلغاءهم عجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مثله، ولو تعاون الثقلان عليه. ويحتمل اندراج الملائكة تحت لفظ (الجن) لأنه قد يطلق عليهم هذا الاسم، كما في قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات ٣٧/ ١٥٨] وإن كان الأكثر استعماله في غير الملائكة من الأشكال الجنية المستترين عن أبصار الإنس.
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى أنه ما آتى الناس من العلم إلا قليلا، أبان أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل، فقال:
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي ولو شاء ربك لذهب بهذا القليل، وسلب هذا القرآن الذي أوحينا به إليك يا محمد من الصدور والمصاحف، ولم نترك له أثرا، فهو تعالى قادر على أن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب.
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا أي ثم لا تجد بعدئذ من تتوكل عليه وتستنصر به في رد شيء منه وإعادته محفوظا.
أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني وسعيد بن منصور عن ابن مسعود قال:
«إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم، قيل: كيف ينزع منا، وقد أثبته الله في قلوبنا، وثبتناه في مصاحفنا؟! قال: يسرى عليه في ليلة واحدة، فينزع ما في القلوب، ويذهب ما في المصاحف، ويصبح الناس منه فقراء» ثم قرأ: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ.
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، ويجوز أن
يكون الاستثناء منقطعا، بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته ولم أذهب به، قال الرازي: وهذا امتنان من الله تعالى على جميع العلماء ببقاء القرآن بنوعين من المنة: أحدهما- تسهيل ذلك العلم عليهم. والثاني- إبقاء حفظه لهم «١».
إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً أي إن فضل الله عليك أيها الرسول عظيم وكبير بإرسالك للناس بشيرا ونذيرا، وبإنزال القرآن عليك وبحفظه في صدرك وفي المصاحف، وبحفظ أتباعك، وبسبب جعلك سيد ولد آدم، وختم النبيين بك، وإعطائك المقام المحمود.
والخلاصة: إن الله تعالى يذكر في هذه الآية نعمته وفضله على عبده ورسوله الكريم فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وأما بقية النعم والأفضال فهي تبع لذلك، فالقرآن الكريم مصدر العلوم والمعارف، ومنبع الحضارات والثقافات التي ظهرت في ربوع المسلمين.
ثم نبه الله تعالى على شرف هذا القرآن العظيم وأهميته وخطورته، فقال:
قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ.. قل يا محمد متحديا: والله لئن اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا وتعاونوا وتظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن المنزل، في بلاغته، وحسن نظمه وبيانه، ومعانيه وأحكامه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان والفصاحة، لعجزوا عن الإتيان بمثله، حتى ولو كان الجميع متعاونين متآزرين فيما بينهم لتلك الغاية، فإن هذا أمر غير مستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثيل؟! ثم أبان تعالى مضمون القرآن، فقال:
وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي لقد بينا للناس، ورددنا البيان وكررناه على وجوه مختلفة، وألوان متعددة، وعبارات متنوعة، مرة بالإيجاز، وأخرى بالإطناب، وذكرنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، وأوضحنا الحق وشرحناه، وأتينا بالآيات والعبر، والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي، والحكم والتشريع، وقصص الأولين، والجنة والنار والقيامة، للعظة والعبرة.
فقوله مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي من كل معنى، هو كالمثل في غرابته وحسنه ومع ذلك فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي فأبى أكثر الناس، أي أهل مكة وأمثالهم إلا جحودا وإنكارا للحق، وردا للصواب، وبقاء على الكفر.
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين الآيات مدى فضل الله ونعمته على نبيه بإنزال القرآن عليه وحفظه في صدره وتثبيته في المصاحف، وانتفاع أمته به إلى يوم القيامة. وكما أن الله قادر على إنزاله، قادر على إذهابه حتى ينساه الخلق، ولكن لم يشأ الله ذلك رحمة منه بعباده.
ومن فضل الله على نبيه أيضا أن جعله سيد ولد آدم، وأعطاه المقام المحمود، كما أعطاه الكتاب العزيز.
والقرآن هو المعجزة الباقية، والحجة الدائمة التي تحدى الله بها العرب كلهم، فعجزوا عن الإتيان بمثله، وهم فرسان الفصاحة، وأئمة البلاغة والبيان، ولم تنقصهم ثقافة الحياة بدليل المأثور عنهم في الجاهلية من الحكم والمعاني والقيم الإنسانية في النثر والخطابة والشعر.
فو الله لئن تعاونوا مع البشر قاطبة ومع الجن، وكان بعضهم لبعض معينا ونصيرا، كما يتعاون الشعراء على بيت شعر، لا يستطيعون الإتيان بمثل القرآن،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي