ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

( قل )لا يقولها الحق سبحانه بينه وبين رسوله، بل المراد : أعلنها يا محمد على الملأ، واسمع بها الناس جميعاً ؛ لأن القضية قضية تحد للجميع.
لئن اجتمعت الإنس والجن.. " ٨٨ " ( سورة الإسراء ) : وهما الثقلان اللذان يكونان أمة التكليف لما منحهما الله من نعمة الاختيار الذي هو مناط التكليف. وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما جميعاً، وقد استمعت الجن إلى القرآن كما استمعت إليه البشر : قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً " ١ " يهدي إلى الرشد فآمنا به.. " ٢ " ( سورة الجن ) :
والتحدي معناه الإتيان بآية معجزة يعجز عنها المعارض، لكن من جنس ما نبغ فيه المعارض، فلا يتحداهم بشيء لا علم لهم به، ولا خبرة لهم فيه ؛ لأنه لا معنى للتحدي في هذه الحالة ولا جدوى منه، كما لو تحديت إنساناً عادياً برفع الأثقال ولم يسبق له أن ارتاض هذه الرياضة، إنما تتحدى بها بطلاً معروفاً عنه ممارسة هذه العملية.
لذلك جاءت كل معجزات الرسل من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدي في محله، ولا يعترضون عليه بأنه خارج عن نطاق علمهم ومقدرتهم، فكانت معجزة موسى عليه السلام العصا واليد، وهي من جنس ما نبغ فيه قومه من السحر، وجاءت معجزة عيسى عليه السلام إحياء الموتى بإذن الله، وإبراء الأكمة والأبرص ؛ لأن قومه نبغوا في الطب، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في البلاغة والفصاحة التي نبغ فيها العرب.
وقد اقترح كفار مكة على رسول الله آيات معينة لإثبات صدق رسالته، لكن الآيات لا تقترح على الله تعالى ؛ لأنه سبحانه هو الذي يختار الآيات التي تناسب الطباع وتكون معجزة تثبت صدق رسوله، وقد اقترحوا على رسول الله آيات ومعجزات في مجالات لا علم لهم بها، فكيف يتحداهم الله في مجال لا نبوغ لهم فيه، وليس لهم دراية به ؟
والحق سبحانه أنزل القرآن، وجعله المعجزة الوحيدة لصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وهو المعجزة الوحيدة لكل أمة الإسلام من لدن رسول الله إلى قيام الساعة. وهذا لا يمنع أن توجد معجزات كونية حدثت لرسول الله ليراها القوم الذي عاصروه، ومثل هذه المعجزات لا نطالب بها نحن، ولا نطالب بالإيمان بها، إلا إذا وردت من صادق معصوم ؛ لأن الهدف من هذه المعجزات تثبيت الإيمان برسول الله في نفوس من شاهدوها، فنبوع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وكون الشجرة تسعى إليه والحيوان يكلمه، فالمقصود بهذه المعجزات من شاهدها وعاصرها، لا من أتى بعد عصره صلى الله عليه وسلم.
وفي القرآن خاصية تفرد بها عن الكتب السابقة، حيث نزل جامعاً بين أمرين : أنه منهج سماوي ينظم حركة الحياة، وهو في الوقت نفسه معجزة مصاحبة للمنهج لا تنفك عنه إلى قيام الساعة.
أما الكتب السابقة فكانت تأتي بمنهج فقط، أما المعجزة فشيء آخر منفصل عن الكتاب، فمعجزة موسى العصا واليد وكتابه التوراة، ومعجزة عيسى إبراء الأكمة والأبرص، وكتابه الإنجيل، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد انفرد بأن تكون معجزته هي منهجه.
لذلك لما طلب كفار مكة من رسول الله أن يفسح لهم جبال مكة، ويوسع عليهم الأرض، وأن يحيي لهم موتاهم ليشهدوا بصدقه، خاطبهم الحق سبحانه بقوله : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً.. " ٣١ " ( سورة الرعد ) : أي : كان في القرآن غناء لكم عن كل هذه المسائل.
وقد اعترض المستشرقون على هذه القضية، فقالوا : إن كانت الرسالة المحمدية للناس كافة، وجاءت معجزته في البلاغة والفصاحة ليتحدى بها قومه من العرب، فما لون الإعجاز لغير العرب ؟
نقول : أولاً : إذا كان العرب ارتاضوا على الملكة العربية وأساليبها قد عجزوا أمام هذا التحدي، فغيرهم ممن اتخذ العربية صناعة لاشك أعجز.
ثانياً : من قال إن المعجزة في القرآن في فصاحته وبلاغته فقط ؟
لقد جاءت بلاغة القرآن وفصاحته للأمة المتلقية للدعوة الأولى، هؤلاء الذين سيحملون عبء الدعوة، ويسيحون بها في شتى بقاع الأرض، فإذا ما انتشرت الدعوة كانت المعجزة للناس الآخرين من غير العرب شيئاً آخر.
فالغيبيات التي يخبرنا بها، والكونيات التي يحدثنا عنها، والتي لم تكن معلومة لأحد نجدها موافقة تماماً لما جاء به القرآن، وهو منزل على نبي أمي، وفي أمة أمية غير مثقفة، فهذه كلها نواحي إعجاز للعرب ولغيرهم، ومازلنا حتى الآن نقف أمام آيات، وننتظر من العلم أن يكشف لنا عن معناها. وفي الماضي القريب توصل العلم إلى أن الذرة أصغر شيء في الوجود، وقد ذكر القرآن الذرة في مثل قوله : فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره " ٧ " ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " ٨ " ( سورة الزلزلة ).
وبتقدم وسائل البحث توصلوا إلى تفتيت الذرة أو شطرها، ووجدنا في الكون ما هو أقل من الذرة، فظن البعض أن هذه لا ذكر لها في القرآن، وظنوا أنهم تصيدوا على القرآن مأخذاً، ولو أمعنوا النظر في كتاب الله لوجدوا لهذا التطور العلمي رصيداً في كتاب الله حيث قال تعالى : وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين " ٦١ " ( سورة يونس ).
والقرآن يقول ( أصغر )لا صغير، فلو فتتنا أجزاء الذرة لوجدنا لها رصيداً واحتياطاً في كتاب الله، ألا ترى في ذلك إعجازاً ؟
إذن : تحداهم الحق سبحانه بقوله : قل لئن اجتمعت الإنس والجن.. " ٨٨ " ( سورة الإسراء ).
وأدخل الجن في مجال التحدي ؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن لكل شاعر نابغ، أو أديب مفوه، أو عبقري عنده نبوغ بياني شيطاناً يلهمه، وهذه الشياطين تسكن وادياً عندهم يسمونه " وادي عبقر "، لذلك لم يكتف القرآن بتحديهم هم، بل تحدى أيضاً من يلهمونهم، أو من ينسبون إليهم القوة في هذا الأمر.
ثم يقول تعالى : على أن يأتوا بمثل هذا القرآن.. " ٨٨ " ( سورة الإسراء ) : فالتحدي أن يأتوا ( بمثله )لأنه لا يمكن أن يأتوا به نفسه مرة أخرى ؛ لأن الواقع لا يقع مرتين. إذن : المتصور في مجال التحدي أن يأتوا بمثله، فلو قلت : هذا الشيء مثل هذا الشيء، فلاشك أن المشبه به أقوى وأصدق من المشبه، ولا يرتقي المشبه ليكون هو المشبه به بل مثله، فإذا انتفى المثل فقد انتفى الأصل من باب أولى.
فالحق سبحانه في قوله : لا يأتون بمثله.. " ٨٨ " ( سورة الإسراء ) : لا ينفي عنهم أن يأتوا بقرآن، بل بمثل القرآن، فإذا كانوا لا يأتون بالصورة، فهل يقدرون على الأصل ؟ ! ثم يقول تعالى زيادة في التحدي : ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً " ٨٨ " ( سورة الإسراء ) : والظهير : هو المعاون والمساعد والمعين على الأمر، ومنه قوله تعالى : وإن تظاهراً عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح والمؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير " ٤ " ( سورة التحريم ).
لأنه قد يقول قائل : إن هذه المهمة لا يقوم بها فرد واحد، فقال لهم سبحانه : بل هاتوا كل ما لديكم من طاقات إبداعية وعبقريات بيانية، واستعينوا بما تزعمون من إلهام الجن، وتعاونوا جميعاً في سبيل هذا التحدي، حتى إذا كان في أحدكم نقص أكمله الآخر.
لكن، هل ظل التحدي قائماً على أن يأتوا بمثل القرآن ؟
المتتبع لهذا الموضوع في القرآن الكريم يجد الحق تبارك وتعالى يتنزل معهم في القدر المطلوب للتحدي، وهذا التنزل يدل على ارتقاء التحدي، فبعد أن تحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن، تحداهم بعشر سور، ثم تحداهم بسورة واحدة، وكلما تنزل معهم درجة ارتقى بالتحدي، فلاشك أن تحديهم بسورة واحدة أبلغ من تحديهم بمثل هذا القرآن.
وهذا التنزيل الذي يفيد الارتقاء كما نجمع مثلاً بين المتناقضات، فنقول : صعد إلى الهاوية، وانحدر إلى القمة. ومع هذا التنزل لم يستطيعوا الإتيان بمثل آية واحدة من كتاب الله.
ويجب أن نلتفت إلى مغزى آخر من وراء هذا التحدي، فليس الهدف منه تعجيز القوم، بل أن نثبت لهم السواسية بين الخلق، فالجميع أمام الإله الواحد سواء، وهذه هي القضية التي تزعجهم وتقض مضاجعهم، والقرآن سيثبت لهم صدق محمد، وسيرفع من مكانته بين القوم، وهم الذين يحاولون إيذاءه ويدبرون لقتله.
ولذلك من غبائهم أن قالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ " ٣١ " ( سورة الزخرف ).
إذن : فاعتراضهم ليس على القرآن في حد ذاته، بل على محمد الذي نزل القرآن عليه، فهم يحسدونه على هذه المكانة، كما قال تعالى : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.. " ٥٤ " ( سورة النساء ).
وسبحان الله، إذا كان الخلق يختلفون أمام رحمة الله في مسائل الدنيا التي لهم فيها أسباب وسعي واجتهاد، فكيف بالأمر الذي ليس في أيديهم ؟ كيف يريدون التدخل فيه : أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ.. " ٣٢ " ( سورة الزخرف ).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير