فمن كان يريد الأسوة الطيبة في عبودية الرسول لربه، هذه العبودية التي جعلته يسري به إلى بيت المقدس، ثم يصعد به إلى السماء، ومن كان يريد أن يكون مثل نوح في عبوديته لربه فأكرم ذريته من أجله، فعليه أن يسير على دربهم، وأن يقتدي بهم في عبوديتهم لله تعالى، وليحذر أن يكون مثل اليهود الذين أفسدوا في الأرض مرتين.
والذي يرسم لنا الطريق ويوضح لنا الحق من الباطل هو القرآن الكريم : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. " ٩ " ( سورة الإسراء ).
قول الحق تبارك وتعالى : إن هذا القرآن.. " ٩ " ( سورة الإسراء ) : هل عند نزول هذه الآية كان القرآن كله قد نزل، ليقول : إن هذا القرآن ؟ نقول : لم يكن القرآن كله قد نزل، ولكن كل آية في القرآن تسمى قرآناً، كما قال تعالى : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " ١٨ " ( سورة القيامة ) : فليس المراد القرآن كله، بل الآية من القرآن قرآن. ثم لما اكتمل نزول القرآن، واكتملت كل المسائل التي تضمن لنا استقامة الحياة، قال تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.. " ٣ " ( سورة المائدة ) : فإن استشرف مستشرف أن يستزيد على كتاب الله، أو يأتي بجديد فليعلم أن منهج الله منزه عن النقص، وفي غنى عن زيادتك، وما عليك إلا أن تبحث في كتاب الله، وسوف تجد فيه ما تصبو إليه من الخير.
قوله : يهدي.. " ٩ " ( سورة الإسراء ) : الهداية هي الطريق الموصل للغاية من أقرب وجه، وبأقل تكلفة وهو الطريق المستقيم الذي لا التواء فيه، وقلنا : إن الحق سبحانه يهدي الجميع ويرسم لهم الطريق، فمن اهتدى زاده هدى، كما قال سبحانه : والذي اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم " ١٧ "
( سورة محمد ) : ومعنى : أقوم.. " ٩ " ( سورة الإسراء ) : أي : أكثر استقامة وسلاماً. هذه الصيغة تسمى افعل التفضيل، إذن : فعندنا ( أقوم )وعندنا أقل منه منزلة ( قيم )كأن نقول : عالم وأعلم. فقوله سبحانه : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. " ٩ " ( سورة الإسراء ) : يدل على وجود ( القيم )في نظم الناس وقوانينهم الوضعية، فالحق سبحانه لا يحرم البشر من أن يكون لهم قوانين وشرائع حينما تعضهم المظالم ويشقون بها، فيقننون تقنيات تمنع هذا الظلم. ولا مانع من ذلك إذا لم ينزل لهم منهج من السماء، فما وضعوه وإن كان قيماً فما وضعه الله أقوم، وأنت لا تضع القيم إلا بعد أن تعض بشيء معوج غير قيم، وإلا فماذا يلفتك للقيم ؟
أما منهج السماء فإنه يضع الوقاية، ويمنع المرض من أساسه، فهناك فرق بين الوقاية من المرض وبين العلاج للمرض، فأصحاب القوانين الوضعية يعدلون نظمهم لعلاج الأمراض التي يشقون بها.
أما الإسلام فيضع لنا الوقاية، فإن حدثت غفلة من المسلمين، وأصابتهم بعض الداءات نتيجة انصرافهم عن منهج ربهم نقول لهم : عودوا إلى المنهج : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. " ٩ " ( سورة الإسراء ) : ولتوضيح أن منهج الحق سبحانه أقوم نرى ما حدث معنا في مدينة " سان فرانسيسكو " فقد سألنا أحد المستشرقين عن قول الحق تبارك وتعالى : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " ٣٢ " ( سورة التوبة ).
وفي آية أخرى يقول : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " ٣٣ " ( سورة التوبة ).
فكيف يقول القرآن : ليظهره على الدين كله.. " ٣٣ " ( سورة التوبة ).
في حين أن الإسلام محصور، وتظهر عليه الديانات الأخرى ؟ فقلت له : لو تأملت الآية لوجدت فيها الرد على سؤالك، فالحق سبحانه يقول : ولو كره الكافرون " ٣٢ " ( سورة التوبة ).
ويقول : ولو كره المشركون " ٣٣ " ( سورة التوبة ) : إذن : فالكافرون والمشركون موجودون، فالظهور هنا ليس ظهور اتباع، ولم يقل القرآن : إن الناس جميعاً سيؤمنون.
ومعنى الظهور هنا ظهور حجة وظهور حاجة، ظهور نظم وقوانين، ستضرهم أحداث الحياة ومشاكلها إلى التخلي عن قوانينهم والأخذ بقوانين الإسلام ؛ لأنهم وجدوا فيها ضالتهم.
فنظام الطلاق في الإسلام الذي كثيراً ما هاجموه وانتقدوه، ورأوا فيه ما لا يليق بالعلاقة الزوجية، ولكن بمرور الزمن تكتشف لهم حقائق مؤلمة، وشقي الكثيرون منهم لعدم وجود هذا الحل في قوانينهم، وهكذا ألجاتهم مشاكل الحياة الزوجية لأن يقننوا للطلاق.
ومعلوم أن تقنينهم للطلاق ليس حباً في الإسلام أو اقتناعاً به، بل لأن لديهم مشاكل لا حل لها إلا بالطلاق، وهذا هو الظهور المراد في الآيتين الكريمتين، وهو ظهور بشهادتكم أنتم ؛ لأنكم ستلجأون في حل قضاياكم لقوانين الإسلام، أو قريباً منها.
ومن هذه القضايا أيضاً قضية تحريم الربا في الإسلام، فعارضوه وأنكروا هذا التحريم، إلى أن جاء " كنز " وهو زعيم اقتصادي عندهم، يقول لهم : انتبهوا، لأن المال لا يؤدي وظيفته كاملة في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى صفر.
سبحان الله، ما أعجب لجج هؤلاء في خصومتهم مع الإسلام، وهل تحريم الربا يعني أكثر من أن تنخفض الفائدة إلى صفر ؟ إنهم يعودون لمنهج الله تعالى رغماً عنهم، ومع ذلك لا يعترفون به.
ولا يخفي ما في التعامل الربوي من سلبيات، وهل رأينا دولة اقترضت من أخرى، واستطاعت على مر الزمن أن تسدد حتى أقساط الفائدة ؟ ثم نراهم يغالطوننا يقولون : ألمانيا واليابان أخذت قروضاً بعد الحروب العالمية الثانية، ومع ذلك تقدمت ونهضت.
نقول لهم : كفاكم خداعاً، فألمانيا واليابان لم تأخذ قروضاً، وإنما أخذت معونة لا فائدة عليها، تسمى معونة ( مارشال ). وأيضاً من هذه القضايا التي ألجأتهم إليها مشاكل الحياة قضية ميراث المرأة، فلما عضتهم قننوا لها.
فظهور دين الله هنا يعني ظهور نظم وقوانين ستضطرهم ظروف الحياة إلى الأخذ بها، وليس المقصود به ظهور اتباع.
إذن : فمنهج الله أقوم، وقانون الحق سبحانه أعظم من قوانين البشر وأهدى، وفي القرآن الكريم ما يوضح أن حكم الله وقانونه أقوم حتى من حكم رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا في قصة مولاه " زيد بن حارثة "، وزيد لم يكن عبداً إلى أن خطفه بعض تجار الرقيق وباعوه، وانتهى به المطاف إلى السيدة خديجة رضي الله عنها التي وهبته بدورها لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان زيد في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن علم أهله بوجوده في مكة فأتوا ليأخذوه، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن خيره بين البقاء معه وبين الذهاب إلى أهله، فاختار زيد البقاء في خدمة رسول الله وآثره على أهله. فقال صلى الله عليه وسلم : " فما كنت لأختار على من اختارني شيئاً ".
وفي هذه القصة دليل على أن الرق كان مباحاً في هذا العصر، وكان الرق حضانة حنانٍ ورحمة، يعيش فيها العبد كما يعيش سيده، يأكل من طعامه، ويشرب من شرابه، يكسوه إذا اكتسى، ولا يكلفه ما لا يطيق، وإن كلفه أعانه، فكانت يده بيده.
وهكذا كانت العلاقة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين زيد ؛ لذلك آثره على أهله، وأحب البقاء في خدمته، فرأى رسول الله أن يكافئ زيداً على إخلاصه له وتفضيله له على أهله، فقال : " لا تقولوا زيد بن حارثة، قولوا زيد بن محمد ".
وكان التبني شائعاً في ذلك الوقت. فلما أراد الحق سبحانه أن يحرم التبني، وأن يحرم نسبة الولد إلى غير أبيه بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم.. " ٥ " ( سورة الأحزاب ) : والشاهد هنا : هو أقسط عند الله.. " ٥ " ( سورة الأحزاب ) ؛ فكأن الحكم الذي أنهى التبني، وأعاد زيداً إلى زيد بن حارثة هو الأقسط والأعدل، إذن : حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن جوزاً، بل كان قسطاً وعدلاً، لكنه قسط بشري يفضله ما كان من عند الحق سبحانه وتعالى.
وهكذا عاد زيد إلى نسبة الأصلي، وأصبح الناس يقولون " زيد ابن حارثة "، فيحزن لذلك زيد، لأنه حرم من شرف الانتساب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعوضه الله تعالى عن ذلك وساماً لم ينله صحابي غيره، هذا الوسام هو أن ذكر اسمه في القرآن الكريم، وجعل الناس يتلونه، ويتعبدون به في قوله تعالى : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. " ٣٧ " ( سورة الأحزاب ) : إذن : عمل الرسول قسط، وعمل الله أقسط. قوله تعالى : يهدي للتي هي أقوم.. " ٩ " ( سورة الإسراء ) : لأن المتتبع للمنهج القرآني يجده يقدم لنا الأقوم والأعدل والأوسط في كل شيء. في العقائد، وفي الأحكام، وفي القصص.
ففي العقائد مثلاً، جاء الإسلام ليجابه مجتمعاً متناقضاً بين من ينكر وجود إله في الكون، وبين من يقول بتعدد الآلهة، فجاء الإسلام وسطاً بين الطرفين، جاء بالأقوم في هذه المسألة، جاء ليقول بإله واحد لا شريك له.
فإذا ما تحدث عن صفات هذا الإله سبحانه اختار أيضاً ما هو أقوم وأوسط، فللحق سبحانه صفات تشبه صفات البشر، فله يد وسمع وبصر، لكن ليست يده كيدنا، وليس سمعه كسمعنا، وليس بصره كبصرنا : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " ١١ " ( سورة الشورى ) : وبهذا المنهج الحكيم خرجنا مما وقع فيه المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات البشر، وخرجنا مما وقع فيه المعطلة الذين أنكروا أن يكون لله تعالى هذه الصفات وأولوها على غير حقيقتها.
وكذلك في الخلق الاجتماعي العام، يلفتنا المنهج القرآني في قوله تعالى : وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون " ١٠٥ " ( سورة يوسف ) : يلفتنا إلى ما في الكون من عجائب نغفل عنها، ونعرض عن تدبرها والانتفاع بها، ولو نظرنا إلى هذه الآيات بعين المتأمل لوجدنا فيها منافع شتى منها : أنها تذكرنا بعظمة الخالق سبحانه، ثم هي بعد ذلك ستفتح لنا الباب الذي يثري حياتنا، ويوفر لنا ترف الحياة ومتعتها.
فالحق سبحانه أعطانا مقومات الحياة، وضمن لنا برحمته ضروريات البقاء، فمن أراد الكماليات فعليه أن يعمل عقله فيما أعطاه الله ليصل إلى ما يريد.
والأمثلة كثيرة على مشاهدات متأملة في ظواهر الكون، اهتدى بها أصحاب إلى اكتشافات واختراعات خدمت البشرية، وسهلت عليها كثيراً من المعاناة. فالذي اخترع العجلة في نقل الأثقال بنى فكرتها على ثقل وجده يتحرك بسهولة إذا وضع تحته شيء قابل للدوران، فتوصل إلى استخدام العجلات التي مكنته من نقل أضعاف ما كان يحمله.
والذي أدخل العالم عصر البخار استنبط فكرة البخار، وأنه يمكن أن يكون قوة محركة عندما شاهد القدر وهو يغلي، ولاحظ أن غطاءه يرتفع إلى أعلى، فاهتدى إلى استخدام البخار في تسيير القطارات والعربات.
والعالم الذي اكتشف دواء " البنسلين " اهتدى إليه عندما شاهد طبقة خضراء نسميها " الريم " تتكون في أماكن استخدام الماء، وكان يشتكي عينه، فعندما وصلت هذه المادة إلى عينه ربما مصادفة، لاحظ أن عينه قد برئت، فبحث في هذه المسألة حتى توصل إلى هذا الدواء. إلى غير ذلك من الآيات والعجائب في كون الله، التي يغفل عنها الخلق، ويمرون عليها وهم معرضون.
أما هؤلاء العلماء الذين أثروا حياة البشرية بنظرتهم الثاقبة، فقد استخدموا عقولهم في المادة التي خلقها ال
تفسير الشعراوي
الشعراوي