ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

قوله تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)
قال الشيخ الشنقيطي: هذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع مافي القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيرى الدنيا والآخرة ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار وطعنوا بسببها في دين الإسلام لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة فمن ذلك توحيد لله جل وعلا فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته وفي عبادته وفي أسمائه وصفاته وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..) الآية، وقال: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون.).
الثاني: توحيده جلا وعلا في عبادته وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي متركبة من نفى وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع المعبودات كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب).

صفحة رقم 224

ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد، قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) الآية، وقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) قوله: (ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه إنه لا إله إلا أنا فاعبدون). وقوله: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون). وقوله: (قل إنما يوحي إلي إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون). فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد لشمول كلمة (لا إله إلا الله) لجميع ماجاء في الكتب، لأنها تقتضى طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة.
النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ينبي على أصلين:
الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، كما قال تعالى: (ليس كمثله شيء).
والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله على الوجه اللائق
بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: (يعلم مابين أيديهم وماخلفهم ولا يحيطون به علماً... )، ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى

صفحة رقم 225

(قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار) إلى قوله (فسيقولون الله) فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره بقوله (فقل أفلا تتقون)... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم جعله الطلاق بيد الرجل كما قال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) الآية، ونحوها من الآيات لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض كما قال تعالى (نساؤكم حرث لكم)... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم تفضيله الذكر على الأنثى في الميراث كما قال تعالى (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم)...
ومن هدى القرآن للتي هي أقوم: القصاص فإن الإنسان إذا غضب وهم بأن يقتل إنساناً آخر فتذكر أنه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل فحي ذلك الذي كان يريد قتله، وحي هو لأنه لم يقتل ويقتل قصاصا، فقتل يحيا به مالا يعلمه إلا الله كثرة كما ذكرنا قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديما وحديثا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله لأن القصاص رادع عن جريمة القتل كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا... ومن هدى القرآن للتي هي أقوم: قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعو أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم)، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لو سرقت فاطمة لقطعت يدها"... ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: رجم الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان أو أنثى...
قوله تعالى (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير)
قال الشيخ الشنقيطي: أن معنى الآية (ويدع الإنسان بالشر) كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر يقول: اللهم أهلكني أو أهلك ولدي، فيدعوا بالشر دعاء لايحب أن يستجاب له وقوله (دعاءه بالخير) أي

صفحة رقم 226

الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور

عرض الكتاب
المؤلف

حكمت بشير ياسين

الناشر دار المآثر للنشر والتوزيع والطباعة- المدينة النبوية
سنة النشر 1420 - 1999
الطبعة الأولى ، 1420 ه - 1999 م
عدد الأجزاء 4
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية