قوله : كِلْتَا الجنتين : قد تقدَّم في السورة قبلها [ الإسراء : ٢٣ ] حكم " كلتا " وهي مبتدأ، و " آتتْ " خبرها، وجاء هنا على [ الكثير : وهو ] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ١ عبد الله - وكذلك في مصحفه - " كِلا الجنَّتَيْنِ " بالتذكير ؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ " آتتْ " بالتأنيث ؛ اعتباراً بلفظ " الجَنَّتين " فهو نظير " طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ ". وروى الفراء٢ عنه قراءة أخرى :" كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ " أعاد الضمير على اللفظ " أكل ".
واعلم أنَّ لفظ " كل " اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و " كِلْتَا " اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة ؛ كقولك :" جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ "، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى آتَتْ أُكُلَهَا أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين أُكُلَهَا ثمرها تامًّا، وَلَمْ تَظْلِمِ لم تنقص، مِّنْهُ شَيْئاً والظُّلم : النقصان، يقول الرَّجُل : ظلمنِي حقِّي، أي : نقصنِي.
قوله :" وفجَّرنَا " العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ٣ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [ القمر : ١٢ ]، والتشديد هناك أظهر لقوله " عُيُوناً ".
والعامة على فتح هاء " نهر " وأبو السَّمال٤ والفيَّاض بسكونها.
٢ ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/١٤٣..
٣ ينظر: الإتحاف ٢/٢١٤، والبحر ٦/١١٩، والدر المصون ٤/٤٥٤..
٤ ينظر: البحر ٦/١١٩، والدر المصون ٤/٤٥٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود