ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

قوله : لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي : قرأ ابن عامر١، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة :" لكن أنَا " فنقل حركة همزة " أنَا " إلى نون " لكِنْ " وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل : حذف همزة " أنا " [ اعتباطاً ]٢، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف " أنا " وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك : أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة ؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره ؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة ؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ ما ]، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك : أن يكون " أنَا " مبتدأ، و " هو " مبتدأ ثانٍ، و " هو " ضمير الشأن، و " اللهُ " مبتدأ ثالث و " ربِّي " خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [ بين الأول ] وبين خبره الياء في " ربِّي " ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من " هُوَ " أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل " هو " عائداً على ما تقدَّم من قوله " بالذي خلقك من تراب " لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء٣ أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب : وهو أن تكون " لكِنَّا " " لكنَّ " واسمها وهو " نا " والأصل :" لكنَّنا " فحذف إحدى النونات ؛ نحو : إنَّا نَحْنُ [ الحجر : ٩ ] وكان حق التركيب أن يكون " ربُّنا " " ولا نُشرِكُ بربِّنا " قال :" ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد " وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي٤ : فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره :" لكنَّ الله هُوَ ربِّي ".
وقرأ أبو عمرو " لكنَّهْ " بهاء السَّكت وقفاً ؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون " أنَا " فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي :[ الرمل المجزوء ]
هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ٥ ***
وقال ابن عطية عن أبي عمرو : روى عنه هارون " لكنَّه هو الله " بضمير لحق " لكن " قال شهاب الدين : فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل " لكِنْ " وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون " هو " مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر " لكنَّ " ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم " لكنَّ " من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة : فلا يجوز أن تكون " لكنَّ " مشددة عاملة ؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله٦ " لكنْ أنَا هُوَ " على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه " لكنْ هُو الله " بغير " أنا ". وقرئ٧ أيضاً " لكننا ".
وقال الزمخشريُّ :" وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة " ونحوه - يعني إدغام نون " لكن " في نون " نَا " بعد حذف الهمزة - قول القائل :

وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي٨
الأصل : لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان :" ولا يتعيَّن ما قاله في البيت ؛ لجواز أن يكون حذف اسم " لكنَّ " [ وحذفه ] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله :
فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ٩
أي : ولكنَّك، وكذا ها هنا : ولكنَّني إيَّاك " قال شهاب الدين : لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت ؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر " لكنَّ " وهو :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ١٠
فأدخل اللام في خبر " لكنَّ " وخرَّجه البصريون على أن الأصل :" ولكن من حُبِّها " في قوله :" ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ "، فأدغم اللام في خبر " لكنَّ "، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة " إنِّي " إلى نون " لكن " بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر " إنَّ "، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا : إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله " أكَفرْتَ " كأنَّه قال لأخيه : أنت كافرٌ ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ ؛ نحو قولك :" زَيْدٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ " لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.

فصل في المقصود بالشرك في الآية


معنى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً .
ذكر القفال فيه وجهين١١ :
الأول : أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه ؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [ المال ]١٢، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [ اعتزَّ ]١٣ بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني : أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
١ ينظر: السبعة ٣٩١، والحجة ٣١٧، والتيسير ١٤٣، والنشر ٢/٣١١، والحجة للقراء السبعة ٥/١٤٤، والقرطبي ١٠/٢٦٣، والبحر ٦/١٢١، والدر ٤/٤٥٦..
٢ في ب: اعتياضا..
٣ ينظر: الإملاء ٢/١٠٣..
٤ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٦٢..
٥ ينظر: شرح المفصل ٩/٨٤، والدر المصون ٤/٤٥٧..
٦ ينظر: الشواذ ٨٠، والدر المصون ٤/٤٥٧..
٧ ينظر: البحر ٦/١٢١، والدر المصون ٤/٤٥٧..
٨ البيت في شرح المفصل لابن يعيش ٨/١٤٠، المغني ١/٧٦، شواهد المغني ٨٣، الهمع ١/١٤٨، الدرر ١/٢٠٧، معاني الفراء ٢/١٤٤، البحر المحيط ٦/١٢٢، القرطبي ١٠/٢٦٣، الدر المصون ٤/٤٥٦..
٩ البيت للفرزدق ينظر: ديوانه ٤٨١، الكتاب ١/٢٨٢، المحتسب ٢/١٨٢، الخزانة ٤/٣٧٨، ابن يعيش ٨/٨١..
١٠ ينظر: ابن يعيش ٨/٦٢، الهمع ١/١٤٠، الدرر ١/١١٦، العين ٢/٢٤٧، الإنصاف ٢٠٩، الخزانة ٤/٣٢٣، وقال فيها: لا يعرف له قائل ولا تتمة ولا نظير، والدر المصون ٤/٤٥٧..
١١ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٠٨..
١٢ في ب: الأموال..
١٣ في ب: اغتر..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية