ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

وَالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ. وَجُمْلَةُ يَنْصُرُونَهُ صِفَةٌ، أَيْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ هَذِهِ صِفَتُهَا، فَإِنَّ فِئَتَهُ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: وَما كانَ مُنْتَصِراً أَيْ وَلَا يَكُونُ لَهُ انْتِصَارٌ وَتَخَلُّصٌ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ وَلَمْ تَكُنْ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ اعْتِدَادًا بِتَأْنِيثِ فِئَةٌ فِي اللَّفْظِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ «يَكُنْ» بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ. وَالْوَجْهَانِ جائزان فِي الْفِعْل إِذَا رَفَعَ مَا لَيْسَ بتحقيقي التَّأْنِيثِ.
وَأَحَاطَ بِهِ هَذَا الْعِقَابَ لَا لِمُجَرَّدِ الْكُفْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ يُمَتِّعُ كَافِرين كثيرين طول حَيَاتِهِمْ وَيُمْلِي لَهُمْ وَيَسْتَدْرِجُهُمْ. وَإِنَّمَا أَحَاطَ بِهِ هَذَا الْعِقَابَ جَزَاءً عَلَى طُغْيَانِهِ وَجَعْلِهِ ثَرْوَتَهُ وَمَالَهُ وَسِيلَةً إِلَى احْتِقَارِ الْمُؤْمِنِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ وَتَوَسَّلَ بِهَا إِلَى التَّكْذِيبِ بِوَعْدِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ عِقَابَ اللَّهِ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعَمِ عَنْهُ كَمَا سُلِبَتِ النِّعْمَةُ عَنْ قَارُونَ حِينَ قَالَ:
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [الْقَصَص: ٧٨]. وَبِهَذَا كَانَ هَذَا الْمَثَلُ مَوْضِعَ الْعِبْرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّعْمَةَ وَسِيلَةً لِلتَّرَفُّعِ عَنْ مَجَالِسِ الدَّعْوَةِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ قَوْمًا يَرَوْنَهُمْ أَحَطَّ مِنْهُمْ وَطَلَبُوا من النبيء صلّى الله عَلَيْهِ وَآله وسلّم طَرْدَهُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ كَمَا تقدم.
[٤٤]
[سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ٤٤]
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)
تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ قَبْلَهَا لِمَا فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْعُمُومِ الْحَاصِلِ مِنْ قَصْرِ الْوَلَايَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُقْتَضِي تَحْقِيقَ جُمْلَةِ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الْكَهْف: ٤٢]، وَجُمْلَةِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْكَهْف: ٤٣]، وَجُمْلَةِ وَما كانَ مُنْتَصِراً [الْكَهْف: ٤٣]، لِأَنَّ الْوَلَايَةَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَبْعَثَ عَلَى نَصْرِ الْمَوْلَى وَأَنْ تُطْمِعَ الْمَوْلَى فِي أَنَّ وَلِيَّهُ يَنْصُرُهُ. وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى الْكَافِرَ مَا دَهَاهُ مِنْ جَرَّاءِ كُفْرِهِ الْتَجَأَ إِلَى أَنْ يَقُولَ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الْكَهْف: ٤٢]، إِذْ عَلِمَ أَنَّ الْآلِهَةَ الْأُخْرَى لَمْ تُغْنِ وِلَايَتُهُمْ عَنْهُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أَسْلَمَ «لَقَدْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَهُ إِلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا». فَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأٌ والْوَلايَةُ لِلَّهِ جُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ.

صفحة رقم 328

وَاسْمُ إِشَارَةِ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ مُسْتَعَارٌ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْحَالِ الْعَجِيبَةِ بِتَشْبِيهِ الْحَالَةِ بِالْمَكَانِ لِإِحَاطَتِهَا بِصَاحِبِهَا، وَتَشْبِيهُ غَرَابَتِهَا بِالْبُعْدِ لِنُدْرَةِ حُصُولِهَا. وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ تَقْصُرُ الْوَلَايَةُ عَلَى اللَّهِ. فَالْوَلَايَةُ: جِنْسٌ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ
مُخْتَصٌّ بِاللَّامِ عَلَى نَحْوِ مَا قُرِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢].
وَالْوَلَايَةُ- بِفَتْحِ الْوَاوِ- مَصْدَرُ وَلِيَ، إِذَا ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ. وَتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٧٢]. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ الْوَلايَةُ- بِكَسْرِ الْوَاوِ- وَهِيَ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ أَوِ اسْمٌ بِمَعْنَى السُّلْطَانِ وَالْمُلْكِ.
والْحَقِّ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِالْجَرِّ، عَلَى أَنه وصف لله تَعَالَى، كَمَا وُصِفَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٣٠]. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ الْحَقِّ- بِالرَّفْعِ- صِفَةٌ لِلْوَلَايَةِ، فَ الْحَقِّ بِمَعْنَى الصِّدْقِ لِأَنَّ وَلَايَةَ غَيْرِهِ كَذِبٌ وَبَاطِلٌ.
قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: «وَالْوَاجِبُ بِذَاتِهِ هُوَ الْحَقُّ مُطْلَقًا، إِذْ هُوَ الَّذِي يَسْتَبِينُ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ حَقًّا، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ يُسَمَّى مَوْجُودًا وَمِنْ حَيْثُ إِضَافَتِهِ إِلَى الْعَقْلِ الَّذِي أَدْرَكَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يُسمى حَقًا» اهـ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ وَصْفِهِ هُنَا بِالْحَقِّ دُونَ وَصْفٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ أَوْ لَا دَوَامَ لَهُ.
وَخَيْرٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَخِيرَ، فَيَكُونُ التَّفْضِيلُ فِي الْخَيْرِيَّةِ عَلَى ثَوَابِ غَيْرِهِ وَعُقُبِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ مَا يَأْتِي مِنْ ثَوَابٍ مِنْ غَيْرِهِ وَمِنْ عُقْبَى إِمَّا زَائِفٌ مُفْضٍ إِلَى ضُرٍّ وَإِمَّا زَائِلٌ، وَثَوَابُ اللَّهِ خَالِصٌ دَائِمٌ وَكَذَلِكَ عُقْبَاهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَيْرٌ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أَيْ هُوَ الَّذِي ثَوَابُهُ وَعُقُبُهُ خَيْرٌ وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ شَرٌّ.

صفحة رقم 329

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية