اذكر وإذ قال موسى بن عمران كما يدل عليه الحديث الصحيح لفتاه يوشع بن نون بن افراثيم بن يوسف عليه السلام، قلت : لعل نونا أبا يوشع يكون من آل افراثيم لبعد الزمان بينهما لا أبرح أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله عليه وهو السفر ودلالة قوله : حتى أبلغ مجمع البحرين فإنها يقتضي تقدير خبر يكون بلوغ مجمع البحرين غاية له ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ فيكون الاسم محذوفا أقيم المضاف إليه مقامه فانقلب الضمير والفعل والخبر حينئذ حتى أبلغ وأن يكون لا أبرح تامة بمعنى لا أزال عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر، ومجمع البحرين ملتقى بحر الفارس والروم يلي المشرق كذا قال قتادة، وقال محمد بن كعب طنجه، وقال أبي بن كعب أفريقية أو أمضى حقبا أو أسير زمانا طويلا في القاموس الحقبة بالضمتين ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة والسنون وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس الحقب الدهر، وقال البغوي قال عبد الله بن عمر الحقب ثمانون سنة وقيل : سبعون، أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، يعني يقع أحد الأمرين إما البلوغ بمجمع البحرين لو مضى الحقب وجاز أن يكون لا بمعنى إلا أن والمعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ إلا أن أمضي زمانا أتيقن معه فوات المجمع.
روى البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس إن نوف البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ؟ قال : أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به ؟ قال : خذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثمة، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة ووضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عنه جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظا نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال : وكان الحوت لفتاه سربا ولموسى عجبا، فقال موسى : ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا قال : رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى ثوبا فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام، قال : أنا موسى، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم أتيتك لتعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا ( ٦٧ ) يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه. قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا( ٦٩ ) قال الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكر ، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال موسى قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا .
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا، قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى : أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا( ٧٥ ) قال : وهذه أشد من الأولى، قال : قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا( ٧٦ ) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه الخضر بيده، فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا( ٧٨ ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما )(١) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن ابن عباس أن موسى سأل ربه أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني، قال : فأي عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى وترده عن ردى، قال : إن كان في عبادك علم مني فادللني عليه، قال أعلم منك الصخرة، قال : أين أطلبه ؟ قال على ساحل البحر عند الصخرة، قال كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان
التفسير المظهري
المظهري