من عَدَّى: هلكت مصدر مضاف إلى المفعول به، نحو مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ [فصلت: ٤٩]. وقرئ في رواية حفص (١): لِمَهْلِكِهِم بفتح الميم وكسر اللام (٢).
قال أبو إسحاق: (هذا على أن يكون مهلك اسما للزَّمان، يقال: هلك يهلك، هذا زمن مهلكه) (٣).
قال أبو علي: (ويجوز أن يكون مصدرًا، وقد جاء المصدر من باب فعل يفعل بكسر العين قال: إِلىَّ مَرْجِعُكُمْ [آل عمران: ٥٥]، وقال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢]، والفتح في المصدر أكثر وأوسع) (٤).
وقوله تعالى: مَوْعِدًا قال ابن عباس: (يريد وقتًا) (٥). وقال مجاهد: (أجلا) (٦).
٦٠ - قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ الآية. روي عن أبي بن كعب من طرق كثيرة أنه قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال
(٢) قرأ عاصم في رواية حفص: (لِمَهْلِكِهم) بكسر اللام فيهما وفتح الميم. انظر: "الغاية في القراءات" ص ٣٠٨، "العنوان في القراءات" ص ١٢٣، "حجة القراءات" ص ٤٢١، "الكشف عن وجوه القراءات" ٢/ ٦٥.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٩٧.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ١٥٧.
(٥) ذكره الماوردي في "تفسيره" ٣/ ٣٢١ بدون نسبة.
(٦) "جامع البيان" ١٥/ ٢٧٠، "النكت والعيون" ٣/ ٣٢١، "تفسير كتاب الله العزيز" ٢/ ٤٦٩.
موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر (١)، فسأل موسى السبيل إلى لقياه فجعل الله له الحوت آية. [وقيل؛ إذا فقدت الحوت] (٢) فأرجع فإنك ستلقاه" (٣).
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وحدث في نفسه أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أوتي، فعلم الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: يا موسى إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك، قال: إي ربي من عبادك؟ قال: نعم،
قال ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" ١٥/ ٣٢٧: قيل إنما سمي الخضر خضرا: لحسنه وإشراقة وجهه، وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح؛ فإن كان ولابد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى بل لا يلتفت إلى ما عداه.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).
(٣) "جامع البيان" ١٥/ ٢٧٨، "تفسير القرآن" للصنعاني ١/ ٣٤٠، "معالم التنزيل" ٥/ ١٨٤، "المحرر الوجيز" ٩/ ٣٤٧ - ٣٤٨، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٠٣، "الدر المنثور" ٤/ ٤١٧، "تفسير النسائي" ٢/ ٨. وأخرجته كتب الصحاح والسنن من عدة طرق.
فقد أخرجه البخاري في كتاب التفسير سورة الكهف ٨/ ٤٠٩، وفي كتاب: العلم ١/ ١٧٣، وكتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر ٦/ ٤٣١، وكتاب: التوحيد ١٣/ ٤٤٨، وأخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب: الفضائل، باب: فضل الخضر -عليه السلام- ٤/ ١٨٥٠، وأخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير سورة الكهف ٨/ ٥٥٨، وأخرجه أبو داود في "سننه" كتاب: السنن، باب: في القدر حديث رقم (٤٧٠٥)، وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٥/ ١١٧.
قال: فدلني على هذا الرجل الذي آتيته من العلم ما لم تؤتني حتى أتعلم منه قال: يدلك عليه بعض زادك. فقال لفتاه يوشع: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ الآية، فكان فيما تزود حوتًا مالحاً في زبيل (١)، ثم كان من أمرهما ما قص الله في كتابه) (٢).
فقوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى معناه: واذكر إذ قال موسى، لما في قصته من العبرة وقوله تعالى: لِفَتَاهُ أجمعوا أنه: يوشع بن نون. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد غلامه) (٣).
قال الفراء، والزجاج: (وإنما سمي فتى موسى؛ لأنه كان ملازمًا له يأخذ عنه العلم ويخدمه) (٤).
وقوله تعالى: لَا أَبْرَحُ قال جميع أهل التأويل: (معناه لا أزال) (٥). يقال: برحت أفعل كذا أي: ما زلت، ومنه قوله تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ [طه: ٩١]، أي: لن نزال. وأصله من قوله: برح الرجل
(٢) "جامع البيان" ١٥/ ٢٧٨، "تفسير القرآن" للصنعاني ١/ ٤٠٥، "ابن كثير" ٣/ ١٠٣، "الدر المنثور" ٤/ ٤٢١. وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة الكهف ٨/ ٤٠٩، ومسلم في كتاب الفضائل باب: فضل الخضر ٤/ ١٨٥٠، والترمذي في كتاب: التفسير: سورة الكهف ٨/ ٥٨٨، والنسائي في "تفسيره" ٢/ ٨.
(٣) ذكر نحوه بلا نسبة "جامع البيان" ١٥/ ٢٧١، "النكت والعيون" ٣/ ٣٢١، "المحرر الوجيز" ٩/ ٣٤٦ - ٣٤٧، "زاد المسير" ٥/ ١٦٤، "القرطبي" ١١/ ١١.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٩٩، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٥٤.
(٥) "معالم التنزيل" ٥/ ١٨٥، "المحرر الوجيز" ٩/ ٣٤٨، "النكت والعيون" ٢/ ٣٢٣، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٩.
براحا، إذا راح من موضعه، ومنه قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ [يوسف: ٨٠] وقد مرَّ بنا، فإذا قلت: ما برح يفعل كذا، فكأنك قلت: أقام يفعل ذلك، ودام على حاله تلك من غير مفارقة. قال أبو إسحاق: (معنى لَا أَبْرَحُ: لا أزال، ولو كان معناه لا أزول كان محالاً؛ لأنه إذا لم يزل من مكانه لا يقطع أرضًا، وأنشد (١):
| وأبرح ما أدام الله قومي | بحمد الله مُنْتَطِقًا مُجِيدًا |
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ملتقى البحرين العذب والمالح) (٤).
وقال قتادة: (يعني بحر فارس وبحر الروم) (٥). وكان مجمع البحرين الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر -عليه السلام-.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٩٨.
(٣) ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" ٢/ ٣٩٥، "إملاء ما من به الرحمن" ص ٤٠١، "البحر المحيط" ٦/ ١٤٤، "الدر المصور" ٧/ ٥١٧، "التفسير الكبير" ٢١/ ١٤٥.
(٤) "جامع البيان" ١٥/ ٢٧١، "الدر المنثور" ٤/ ٤١٧.
(٥) "جامع البيان" ١٥/ ٢٧١، "تفسير القرآن" للصنعاني ١/ ٤٠٥، "معالم التنزيل" ٥/ ١٨٥، "المحرر الوجيز" ٩/ ٣٤٩.
وقوله تعالى: أَوْ أَمْضِيَ أو أسير. حُقُباً قال ابن عباس فيما روى عنه الوالبي يقول: (دهرًا) (١). وقال في رواية عطاء: (الحقب الواحد بضع وثمانين سنة، السنة ثلاثمائة وستون يومًا، اليوم الواحد ألف سنة) (٢). وقال مجاهد: (الحقب سبعون خريفاً) (٣).
وأمما أهل اللغة فإنهم كلهم قالوا: (الحقب ثمانون سنة) (٤).
قال صاحب النظم: (أَوْ بمعنى حتى، مثل قولك: لا آتيك أو تكرمني، فيرجع تأويل الآية: لا أبرح ماضيًا إلى أن أمضي حقبًا حتى أبلغ مجمع البحرين. قال: ونظير هذا في الكلام أن تقول: لا أزال إلى أن أسير سنة حتى أقضى حاجتي. ومعنى إلى أن أسير سنة: وإن احتجت إلى أن أسير سنة) (٥). وعلى ما ذكر يكون في الآية تقديم وتأخير، ولا يجوز أن يجعل أَوْ للعطف؛ لأنه ليس المراد حتى أبلغ مجمع البحرين وحتى أمضي حقبا، و أَوْ هاهنا الناصبة للفعل بإضمار أن كما تقول: لألزمنك
(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "التسهيل لعلوم التنزيل" ص ٣٨٥، "الكشاف" ٢/ ٤٩٠، "التفسير الكبير" ٢١/ ١٤٦، "أنوار التنزيل" ٣/ ٢٣٠، "زاد المسير" ٥/ ١٦٥، "مدارك التنزيل" ٢/ ٩٥٦، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٠.
(٣) "جامع البيان" ١٥/ ٢٧٢، "النكت والعيون" ٣/ ٣٢٢، "ابن كثير" ٣/ ١٠٣، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١١.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٩٩، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٥٤، "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص ١٤٤.
(٥) ذكر نحوه بلا نسبة "البحر المحيط" ٦/ ١٤٥، "الدر المصون" ٨/ ٥١٧، "إملاء ما من به الرحمن" ٤٠١، "التفسير الكبير" ٢١/ ١٤٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي