ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

قوله :( على أن تعلمني ) : في موضع الحال من الكاف في " أتَّبِعُكَ " أي : أتَّبِعك [ باذلاً لي علمكَ ".
قوله :" رُشْداً " مفعول ثان ل " تُعلِّمَنِي " لا لقوله :" ممَّا عُلِّمتَ " قال أبو البقاء٩ :" لأنَّه لا عائد إذن على الذي " يعني أنه إذا تعدَّى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدَّى لضمير الموصول ؛ لئلا يتعدَّى إلى ثلاثة، ولكن لابدَّ من عائدٍ على الموصول.
وقد تقدَّم خلاف القراء في " رُشداً " في سورة الأعراف [ الآية : ١٤٦ ]، وهل هما بمعنى واحد أم لا ؟.
وقوله : رشداً " أي : علماً ذا رشدٍ.
قال القفَّال١٠ : قوله " رُشْداً " يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون " الرُّشْدُ " راجعاً إلى الخضرِ، أي : ممَّا علمك الله، وأرشدك به.
والثاني : أن يرجع إلى موسى، أي : على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت.

فصل في أدب موسى - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ


دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر.
منها : أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله :" هَلْ أتَّبعكَ ".
ومنها : أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة ؛ كأنَّه قال : تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ.
ومنها : قوله " على أن تعلمني " وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.
ومنها : قوله :" ممَّا علِّمتَ " وصيغة " مِنْ " للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول : لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت.
ومنها : أن قوله :" مِمَّا علِّمتَ " اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم.
ومنها : قوله " رُشْداً " طلب منه الإرشاد والهداية.
ومنها أنَّ قوله : تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي : يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم.
ومنها : قوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ.
ومنها : أنه ثبت [ في الأخبار ]١١ أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع ؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به ؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ.
ومنها : قوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم.
ومنها : قوله : هَلْ أتَّبِعُكَ لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال : لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم.

فصل


روي أنه لمَّا قال موسى١٢ : هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ ، قال له الخضرُ : كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى : إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً .

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية