فعند ذلك قال موسى : إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي وهذا كلام نادمٍ.
قوله :" فَلاَ تُصَاحِبْنِي " : العامة على " تُصاحِبْني " من المفاعلة، وعيسى ويعقوب :" فلا تَصْحبنِّي ] " من صحبه يصحبه.
وأبو عمرو في١ رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره : فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ " فلا تصحبني علمك " فأظهر المفعول.
قوله :" مِنْ لدُنِّي " العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على " لَدُن " لتقيها من الكسر ؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون " مِنْ " و " عَنْ " فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون : منِّي وعنِّي بالتشديد.
ونافع٢ بتخفيف النون، والوجه فيه : أنَّه لم يلحقْ نون الوقاية ل " لَدُن " إلا أن سيبويه٣ منع من ذلك وقال :" لا يجوز أن تأتي ب " لَدُنْ " مع ياء المتكلم، دون نون وقاية " وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل : لم لا يقال : إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت ب " لَدُ " لغة في " لَدُنْ " حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة ؟ قيل : لا يصحُّ ذلك من وجهين :
أحدهما : أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها ؛ لتقيَ الكلمة الكسر ؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون ؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون.
الثاني : أن سيبويه يمنع أن يقال :" لَدُنِي " بالتخفيف.
وقد حذفت النون من " عَنْ " و " مِنْ " في قوله :[ الرمل ]
| أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي | لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني٤ |
ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على " لد " الساكنة الدال، لغة في " لدُنْ " فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف ؛ كتسكين ضاد " عضدٍ " وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل : هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل : هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني : أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله لاَ تَأْمَنَّا [ يوسف : ١١ ]، وفي قوله في هذه السورة " من لدنه " في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا.
وقرأ٥ عيسى وأبو عمرو في رواية " عُذُراً " بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً " عذري " مضافاً لياءِ المتكلم.
و " مِنْ لدُنِّي " متعلق ب " بَلغْتَ " أو بمحذوف على أنَّه حال من " عُذْراً ".
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس : معناه : أعذرت فيما بيني وبينك٦.
وقيل : حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً.
وقيل : اتَّضح لك العذر في مفارقتي.
والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً.
روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى " وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه " لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال :" إنْ سألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً ؛ فلو صبر، لرأي العجب " ٧.
٢ ينظر في قراءاتها: السبعة ٣٩٦، والحجة ٤٢٥، والنشر ٢/٣١٣، والتيسير ١٤٥، والإتحاف ٢/٢٢٢، والحجة للقراء السبعة ٥/١٦٠، وإعراب القراءات ١/٤٠٧، والقرطبي ١١/١٧، والبحر ٦/١٤٢، والكشاف ٢/٧٣٦، والدر المصون ٤/٤٧٤..
٣ ينظر: الكتاب ١/٣٨٦ ـ ٣٨٧..
٤ ينظر البيت في شرح ابن عقيل ١/١١٤، شرح المفصل لابن يعيش ٣/١٢٥، الأشموني ١/١٢٤، التصريح ١/١١٢، الخزانة ٢/٣٨٠، الدر المصون ٤/٤٧٥..
٥ ينظر: القرطبي ١١/١٧، والبحر ٦/١٤٢، والدر المصون ٤/٤٧٥..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٧٥)..
٧ تقدم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود