قالوا يا ذا القرنين ، إما أن يكون قالوه بواسطة ترجمان، أو يكون فَهم كلامهم، فيكون من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب، فقالوا له : إِن يأجوج ومأجوج ، قد تقدم أنهم من أولاد يافث. وما يقال : إنهم من نطفة احتلام آدم لم يصح، واختلف في صفاتهم، فقيل : في غاية صغر الجثة وقصر القامة، لا يزيد قدمهم على شبر، وقيل : في نهاية عِظم الجسم وطول القامة، تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعًا، وفيهم من عرضه كذلك.
قال عبد الله بن مسعود : سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال :" هم أمم، كل أمة أربع مائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذَكَر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح "، قيل : يا رسول الله صفهم لنا، قال : هم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال الأرز - وهو شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع - وصنف عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وصنف يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مُقَدَّمَتُهُمْ بالشام، وسَاقَتُهُمْ بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية " ١.
فقالوا له : إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض أي : في أرضنا، بالقتل، والتخريب، وإتلاف الزرع، قيل : كانوا يخرجون أيام الربيع، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، وكانوا يأكلون الناس أيضا. فهل نجعل لك خرجا أي : جعلا من أموالنا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ؛ بالفتح وبالضم، أي : حاجزا يمنعهم منا ؟
رُوِيَ أن ذا القرنين بينما هو يسير في سياحته إذ رُفع إلى أمة صالحة، يهدون بالحق وبه يعدلون، يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليْسَتْ لبيوتهم أبواب، وليس عليهم أُمراء، وليس بينهم قضاة، ولا يختلفون ولا يتنازعون، ولا يقتتلون، ولا يضحكون ولا يحزنون، ولا تُصيبهم الآفات التي تُصيب الناس، أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فظ ولا غليظ، فعجب منهم، وقال : خبِّروني بأمركم، فلم أر في مشارق الأرض ومغاربها مثلكم، فما بال قبوركم على أبواب بيوتكم ؟ قالوا : لئلا ننسى الموت ؛ ليمنعنا ذلك من طلب الدنيا، قال : فما بال بيوتكم لا أبواب لها ؟ قالوا : ليس فيها مُتهم، ولا فينا إلا أمين مؤتمن. قال : فما بالكم ليس فيكم حُكَّام ؟ قالوا : لا نختصم، قال : فما بالكم ليس فيكم أغنياء ؟ قالوا : لا نتكاثر. قال : فما بالكم ليس فيكم ملوك ؟ قالوا : لا نفتخر، قال : فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون ؟ قالوا : من أُلفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا، قال : فما بال طريقتكم واحدة وكلمتكم مستقيمة ؟ قالوا : من أجل أننا لا نتكاذب، ولا نتخادع، ولا يغتاب بعضنا بعضًا. قال : أخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم ؟ قالوا : صلحت صدورنا فنزع منها الغل والحسد، قال : فما بالكم ليس فيكم فقير ولا مسكين ؟ قالوا : من قِبَل أَنَّا نقسم بيننا بالسوية. قال : فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ ؟ قالوا : من قِبَل الذلة والتواضع، قال : فما جعلكم أطول الناس أعمارًا ؟ قالوا : من قِبَل أنَّا لا نتعاطى إلا الحق ونحكم بالسوية.
قال : فما بالكم لا تضحكون ؟ قالوا : لا نغفُل عن الاستغفار. قال : فما بالكم لا تحزنون ؟ قالوا : من قِبَل أَنَّا وَطَّنَّا أنفسنا للبلاء. فقال : فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس ؟ قالوا : لأنا لا نتوكل على غير الله، قال : هل وجدتم آباءكم هكذا ؟ قالوا : نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويُواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويُحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويَصلُون أرحامهم، ويُؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويُوفون بعهدهم، ويَصدُقون في مواعدهم، فأصلح الله تعالى بذلك أمرهم وحفظهم، ما كانوا أحياءًا، وكان حقًا علينا أن نخلفهم في تركتهم. فقال ذو القرنين : لو كنت مُقيمًا لأقمت فيكم، ولكن لم أُومر بالمقام. هـ. ذكره الثعلبي.
وقال في القوت : قوله تعالى، في صفة أعدائه المحجوبين : كانت أعينهم في غطاء عن ذكري : دليل الخطاب في تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره، ناظرون إلى غيبه، قال تعالى في ضده : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ [ هُود : ٢٠ ]، وقال : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ... [ هُود : ٢٤ ] الآية. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي