ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

قوله تعالى : فَأَجَآءَهَا : الأصلُ في " جَاءَ " : أنْ يتعدَّى لواحدٍ بنفسه، فإذا دلت عليه الهمزة، كان القياسُ يقتضي تعدِّه لاثنين، قال الزمخشريُّ :" إلاَّ أنَّ استعماله قد تغيَّر بعد النَّقْل إلى معنى الإلجاء، ألا تراك لا تقول : جئتُ المكانَ، وأجاءنيه زيدٌ ؛ كما تقولُ : بلغتهُ وأبلغنيه، ونظيرهُ " آتى " حيثُ لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل : أتيتُ المكان وآتانيه فلانٌ ".
وقال أبو البقاء٥ : الأصلُ " جَاءَهَا " ثم عُدِّي بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ، واستعمل بمعنى " ألْجَأها ".
قال أبو حيَّان : قوله : إنَّ " أجَاءَهَا " [ استعمل ]٦ بمعنى " ألْجَأهَا " يحتاجُ إلى نقل أئمةِ اللغة المستقرئين لذلك من لسانِ العرب، والإجاءةُ تدلُّ على المُطلقِ، فتصلحُ لما هو بمعنى " الإلْجَاءِ " ولما هو بمعنى " الاختيار " كما تقول :" أقَمْتُ زَيْداً " فإنه يصلحُ أن تكون إقامتك لهُ قَسْراً أو اختياراً، وأمَّا قوله : ألا تراكَ لا تقُولُ إلى آخره، فمن رأى أنَّ التعدية بالهمزة قاسٌ، أجاز ذلك، وإن لم يسمعْ، ومن منع، فقد سمع ذلك في " جَاءَ " فيجيزُ ذلك، وأمَّا تنظيهُ ذلك ب " أتى " فليس تنظيراً صحيحاً ؛ لأنَّه بناهُ على أنَّ همزته للتعدية، وأنَّ أصله " آتى " بل " آتى " ممَّا بُنِي على " أفْعَل " ولو كان منقولاً من " أتى " المتعدِّي لواحد، لكان ذلك الواحدُ هو المفعول الثاني، والفاعل هو الأوَّل، إذا عدَّيته بالهمزة، تقولُ :" أتى المالُ زيداً " و " آتى عمروٌ زيداً المالَ " فيختلفُ التركيبُ بالتعدية ؛ لأنَّ " زَيْداً " عند النحويِّين هو المفعول الأول، و " المال " هو المفعولُ الثاني، وعلى ما ذكره الزمخشريُّ، كان يكون العكس، فدلَّ على أنَّه ليس ما قاله، وأيضاً، ف " أتى " مرادفٌ ل " أعْطَى "، فهو مخالفٌ من حيثُ الدلالة في المعنى، وقوله :" ولمْ تَقُل : أتَيْتُ المكانَ، وآتانيه " هذا غيرُ مسلمٍ، بل تقول :" أتَيْتُ المَكَانَ " كما تقول :" جِئْتُ المكانَ " وقال الشاعر :[ الوافر ]

أتَوْا نَارِي فَقُلْتُ منُونَ أنتُمْ فقالُوا الجِنُّ قُلتُ عَمُوا ظَلامَا٧
ومن رأى التعدية بالهمزةِ قياساً، قال :" آتانيه " قال شهاب الدين : وهذه الأبحاثُ التي ذكرها الشيخُ -رحمه الله- معه ظاهرةُ الأجوبة، فلا نُطَوِّلُ بذكرها.
وقرأ الجمهورُ " فأجَاءَهَا " أي : ألْجَأهَا وساقها، ومنه قوله :[ الوافر ]
وجَارٍ سَارَ مُعْتَمِداً إليْكُمْ أجَاءَتْهُ المخَافَةُ والرَّجَاءُ٨
وقرأ٩ حمَّادُ بن سلمة " فاجَأهَا " بألفٍ بعد الفاء، وهمزة بعد الجيم، من المفاجأة، بزنة " قابلها " ويقرأ١٠ بألفين صريحتين ؛ كأنهم خَفَّفُوا الهمزة بعد الجيمِ، وبذلك رُويتْ بَيْنَ بَيْنَ.
والجمهورُ على فتح الميم من " المَخَاض " وهو وجعُ الولادةِ، ورُوِيَ عن ابن كثير١١ بكسر الميم، فقيل : هما بمعنى، وقيل : المفتوح : اسمُ مصدر ؛ كالعطاءِ والسلامِ، والمكسورُ مصدرٌ ؛ كالقتال واللِّقاء، والفعالُ : قد جاء من واحد ؛ كالعقابِ والطِّرَاقِ، قاله أبو البقاء١٢، والميم أصليةٌ ؛ لأنه من " تَمخَّضتِ الحامِلُ تَتَمخَّضُ ".
و " إلى جذْعِ " يتعلق في قراءة العامَّة ب " أجَاءَهَا " أي : ساقها إليه.
وفي قراءة حمَّاد بمحذوفٍ، لأنه حالٌ من المفعول، أي : فاجأها مستندةً إلى جذْع النَّخْلةِ.

فصل في معنى الآية


المعنى : ألْجَأهَا المخاض، وهو وجعُ الولادةِ إلى جذْعِ النَّخْلَة ؛ لتستند إليها، وتتمسَّك بها عمد وجع الولادة، وكانت نخلة يابسةً في الصحراء في شدَّة الشِّتاء، ولم يكُن لها سعفٌ، ولا خُضْرة، والتعريف فيها : إمَّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة ؛ كتعريف النّجم [ والصَّعق ]١٣ أو كانت تلك الصَّحراء كان فيها جذْع نخلة مشهورٌ عند النَّاس.
فإن قيل : جذعُ النَّخْلة فهم منه ذلك دون سائره، وإمَّا يكون تعريف الجنْسِ، أي : إلى جذْعِ هذه الشَّجرة خاصَّةً ؛ كأنَّ الله تعالى أرشدها إلى النَّخْلة ؛ ليُطعمَها منها الرُّطب الذي هو أشبه الأشياء موافقة للنُّفساء، ولأنَّ النخلة أشدُّ الأشياء صَبْراً على البَرْد، ولا تُثْمِرُ إلاَّ عند اللِّقاح، وإذا قُطِعَ رأسُها، لم تُثْمِرْ، فكأنَّ الله تعالى قال : كما أنَّ الأنثى لا تلدُ إلاَّ مع الذَّكر، فكذا النَّخلة لا تُثْمِر إلا باللِّقاح، ثم إنَّه أظهر الرُّطب من غيْر اللِّقَاح ؛ ليدلَّ ذلك على جواز ظُهُور الولد من غير ذكر. قَالَتْ يا ليتني مِتُّ قَبْلَ هذا تمنَّت الموت.
فإن قيل : كيف تمنَّت الموت مع أنها كانت تعلم أنَّ الله تعالى بعث جبريل -صلوات الله عليه- ووعدها بأنْ يجعلها وولدها آيةً للعالمين.
فالجوابُ من وجوه :
الأول : تمنَّت الموت استحياءً من النَّاس، فأنْسَاها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى -صلوات الله عليه-.
الثاني : أنَّ عادة الصَّالحين -رضي الله تعالى عنهم- إذا وقعُوا في بلاءٍ : أن يقُولُوا ذلك، كما رُوِيَ عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنه [ نظر إلى طائرٍ ]١٤ على شجرة، فقال : طُوبى لَكَ، يا طَائِر ؛ تقعُ على الشَّجرِ، وتأكُلُ من الثَّمَر، وددت أنِّي ثمرةٌ يَنْقُرهَا الطَّائِرُ١٥.
وعن عُمر -رضي الله عنه- أنَّه أخذ تبنة من الأرض، فقال : يا لَيْتَنِي هذه التَّبْنَةُ، يا لَيْتَنِي لم أكُنْ شيئاً١٦.
وعن عليٍّ كُرِّم وجهه يوم الجمل : لَيْتَنِي مِتُّ قبل هذا اليومِ بعشرين سنة١٧.
وعن بلالٍ -رضي الله عنه- : ليت بلالاً لم تلدهُ أمهُ١٨.
فثبت أنَّ هذا الكلام يذكُرُه الصَّالحون عند اشتداد الأمْرِ عليهم.
الثالث :-لعلَّها قالت ذلك ؛ لئلاَّ تقع المعصيةُ ممن يتكلَّم فيها، وإلاَّ فهي راضيةٌ بما بُشِّرَتْ به.
قوله تعالى : نَسْياً الجمهور على النون وسكون السين، وبصريح الياء بعدها، وقرأ١٩ حمزة وحفص وجماعة بفتح النون، فالمكسور " فِعْل " بمعنى " مَفْعُولٍ " كالذَّبح والطَّحن، ومعناه الشيء الحقيرُ الذي من شأنه أن ينسى ؛ كالوتد، والحبلِ، وخرقةِ الطَّمْثِ، ونحوها. تمنت لو كانت شيئاً تافهاً لا يؤبه له من حقّه أن ينسى عادة.
قال ابن الأنباري -رحمه الله- :" من كسر فهو اسمٌ لما يُنسى، كالنَّقص ؛ اسمٌ لما ينقصُ، والمفتوحُ : مصدرٌ يسدُّ مسدَّ الوصف " وقال في الفرَّاء : هما لغتان ؛ كالوَتْر والوِتْر، والكسرُ أحَبُّ إليَّ ".
وقرأ محمدُ بنُ كعب القرظيُّ " نِسْئاً " بكسر٢٠ النون، والهمزةُ بدل الياء، وروي عنه أيضاً، وعن بكر بن حبيب٢١ السهميِّ فتحُ النون مع الهمزة، قالوا : وهو من نسأتُ اللَّبن، إذا صببت فيه ماءً، فاستهلك فيه، فالمكسورُ أيضاً كذلك الشيء المستهلك، والمفتوحُ مصدرٌ ؛ كما كان ذلك من النِّسيانِ.
ونقل ابن عطيَّة عن بكر بن حبيبٍ " نَساً " بفتح النون، والسين، والقصر ؛ ك " عَصاً "، كأنه جعل فعلاً بمعنى مفعولٍ ؛ كالقبضِ بمعنى المقبوض.
و " منْسِيًّا " نعتٌ على المبالغة، وأصله " مَنْسُويٌ " فأدغم، وقرأ٢٢ أبو جعفرٍ، والأعمشُ " مِنْسيًّا " بكسر الميم ؛ للإتباع لكسرة السين، ولم يعتدُّوا بالساكن ؛ لأنه حاجزٌ غير حصينٍ ؛ كقولهم :" مِنْتِنٌ " و " مِنْخِرٌ "، والمقبرة والمحبرة.
٥ ينظر: الإملاء ٢/١١٢..
٦ سقط من أ..
٧ البيت لشمر بن الحارث وقيل لغيره ينظر: شواهد الكتاب ٢/٤١١، الخصائص ١/١٢٩، المقتضب ٢/٣٠٦، شرح المفصل لابن يعيش ٢/٢٥٧، الأشموني ٤/٩١، المقرب ١/٣٠٠، الهمع ٢/٢٥٧، التصريح ٢/٢٨٣، البحر ٦/١٧٢، الدر المصون ٤/٤٩٨..
٨ البيت لزهير. ينظر: ديوانه (٢٩) شرح ديوان الحماسة ١/٣٠٢، البحر ٦/١٧٢، القرطبي ١١/٦٣، مجاز القرآن ٢/٤، روح المعاني ١٦/٨١، الدر المصون ٤/٤٩٨..
٩ ينظر في قراءاتها: المحتسب ٢/٣٩، والشواذ ٨٤، والقرطبي ١١/٦٣، والبحر ٦/١٧٢، والدر المصون ٤/٤٩٧..
١٠ نسبها ابن خالويه في الشواذ إلى حماد بن سليمان عن عاصم..
١١ ينظر: القرطبي ١١/٦٣، والبحر ٦/١٧٢، والدر المصون ٤/٤٩٨..
١٢ ينظر: الإملاء ٢/١١٢..
١٣ في ب: وابن الصعق..
١٤ في ب: رأى طائرا..
١٥ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/١٧٣)..
١٦ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/١٧٣، ١٧٤)..
١٧ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/١٧٤)..
١٨ ينظر: المصدر السابق..
١٩ ينظر: السبعة ٤٠٨، والنشر ٢/٣١٨، والحجة ٤٤١، والتيسير ١٤٨، والحجة للقراء السبعة ٥/١٩٦، وإعراب القراءات ٢/١٥، والإتحاف ٢/٢٣٥..
٢٠ ينظر: المحتسب ٢/٤٠، والقرطبي ١١/٦٣، والبحر ٦/١٧٢، والدر المصون ٤/٤٩٨..
٢١ ينظر: القرطبي ١١/٦٣، والبحر ٦/١٧٢، والدر المصون ٤/٤٩٨..
٢٢ ينظر: الكشاف ٣/١٢، والبحر ٦/١٧٣، والدر المصون ٤/٤٩٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية