ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)
من إخباره إلى حمله على المجيء وساقه إليه غير مختار فيه، ولذا كان معناه ألجأها المخاض وهو الطلق عند النساء أو مقدمة الولادة، وكان إلجاؤها إلى جذع النخلة؛ لأنها احتاجت إلى شيء تعتمد عليه وتتعلق به لشدة الحمل وكره الولادة

صفحة رقم 4626

كما قال في الولادة وصعوبتها (... وَوَضَعَتْهُ كرْهًا...)، وهو صعوبتها واحتمالها بعسر شديد، وهو في ذاته كره، ولكن الوالدة تتحمله لمحبة الولد وشغفها فيه.
وجذع النخلة عادة يكون يابسا سواء أكانت النخلة مثمرة أم كانت غير مثمرة، وسواء أكانت في أرض زراعية أم كانت غير زراعية، والنخل يكون في الأرض غير الزراعية، و " أل " للجنس كقولك: ادخل السوق واشتر شيئا، فليس ثمة سوق معينة، ولا تكون للعهد؛ لأنه لم تذكر من قبل شجرة، ولا يكون في الذهن شجرة معينة.
وقد كانت مريم العذراء البتول في كربين:
الكرب الأول: احتملته ورضيته بحكم الفطرة وهو كره الولادة كما ذكرنا.
والكرب الثاني: العار الذي زعمته ويستقبلها، فإنها البريئة الطاهرة تستقبل اتهاما وهي البريئة وذلك عبؤه على البريء ثقيل، ولذا قالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا).
تنادي " ليت " الدالة على التمني، وكأنها تقول إنها تتمنى الموت، وتنادي أداة تمنى الموت قبل هذا، لأن ذلك وقت تمني الموت فرارا من عار الاتهام الظالم، وهي البريئة الطاهرة التي اصطفاها رب العالمين.
وأنها ما قالت الذي قالته تململا مما أراد رب العالمين لها من كرامة، وإنما كان ذلك استشعارًا من ضعفها وصعوبة الاحتمال، وإن كانت راضية بما قضى اللَّه وبما أمر، غير خالعة ربقة، ولا متمردة على طاعه، (وَكنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا)، المنسِيّ والنَسِيّ: الشيء المنسي، كذبح الشيء المذبوح، ونقص الشيء المنقوص، فالنسي الشيء الذي من شأنه أن ينسى؛ لأنه مهمل في ذاته، والمنسي بالفعل.
وقد قال الزمخشري في هذا الأمر الذي كانت عليه العذراء البتول - محللا الألفاظ - وهو إمام البلاغة: المنسي ما من شأنه أن ينسى ويطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، كالذِّبح اسم ما شأنه أن يذبح، قال تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبحٍ

صفحة رقم 4627

عَظِيمٍ) [الصافات] وعن يونس: العرب إذ ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم أي الشيء اليسير نحو العصا والقدح.
تمنت لو كانت شيئا تافها لَا يؤبه له من شأنه وحقه أن ينسى في العادة، وقد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو من حقه، وذلك لما لحقها من فرط الحياء (أي الحال التي توجب الاستحياء) من الناس على حكم العادة البشرية لَا كراهة لحكم اللَّه، أو لشدة التكليف عليها إذ بهتوها، وهي عارفة ببراءة الساحة وبضد ما قرفت به، من اختصاص اللَّه إياها بغاية الإجلال والإكرام، لأنه مقام دحض (١) قلما تثبت فيه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم، وفضل باهر تستحق به المدح، ويستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم عيبا يعاب به، أو يعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا اللَّه تعالى بسببها.
في هذا الكرب الشديد الذي لَا تمرد فيه كانت تحف بها مكارم اللَّه، وخوارق العادات.
(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)
________
(١) الدَّحْضُ: الزَّلَقُ، والإِدْحاضُ: الإِزْلاقُ. لسان العرب. دحض.

صفحة رقم 4628

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية