فَأَجَاءهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة أي ألجأها واضطرها، ومنه قول زهير :
أجاءته المخافة والرجاء ***. . .
وقرأ شبل :«فاجأها » من المفاجأة، ورويت هذه القراءة عن عاصم، وقرأ الحسن بغير همز، وفي مصحف أبيّ :«فلما أجاءها » قال في الكشاف : إن «أجاءها » منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تعين بعد النقل إلى معنى الإلجاء، وفيه بعد، والظاهر أن كل واحد من الفعلين موضوع بوضع مستقلّ، والمخاض مصدر مخضت المرأة تمخض مخضاً ومخاضاً إذا دنا ولادها. وقرأ الجمهور بفتح الميم. وقرأ ابن كثير بكسرها، والجذع : ساق النخلة اليابسة، كأنها طلبت شيئاً تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدّة وجع الطلق بشيء مما تجده عندها، والتعريف إما للجنس أو للعهد قَالَتْ يا مِتُّ قَبْلَ هذا أي قبل هذا الوقت، تمنت الموت لأنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان وَكُنتُ نَسْياً النسي في كلاب العرب : الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى ولا يذكر ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل، ومنه قول الكميت :
أتجعلنا خسراً لكلب قضاعة *** ولسنا بنسي في معدّ ولا دخل
وقال الفراء : النسي : ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فتقول مريم : نَسْياً مَنسِيّاً أي حيضة ملقاة، وقد قرئ بفتح النون وكسرها، وهما لغتان مثل الحجر والحجر، والوتر والوتر. وقرأ محمد بن كعب القرظي :«نساء » بالهمز مع كسر النون. وقرأ نوف البكالي بالهمز مع فتح النون. وقرأ بكر بن حبيب نسياً بفتح النون وتشديد الياء بدون همز، والمنسي المتروك الذي لا يذكر ولا يخطر ببال أحد من الناس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف حين نتق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه، يتخوّفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله، فاتخذوها سنة. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر من طريق السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس. وعن مرّة عن ابن مسعود قالا : خرجت مريم بنت عمران إلى جانب المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذا هي برجل معها فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً ففزعت و قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكمها فنفخ في جنب درعها، وكان مشقوقاً من قدّامها، فدخلت النفخة صدرها فحملت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا : يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم : أشعرت أني حبلى، فقالت امرأة زكرياء : فإني وجدت ما في بطني سجد للذي في بطنك، فذلك قوله تعالى : مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ منَ الله [ آل عمران : ٣٩ ]. فولدت امرأة زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب فَأَجَاءهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة قَالَتْ ياليتنى مِتُّ قَبْلَ هذا الآية فَنَادَاهَا جبريل مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى فتكلم فـ قَال إِنّي عَبْدُ الله آتَانِي الكتاب الآيات، ولما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خرّ لوجهه. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في مريم قال : حين حملت وضعت. وأخرج ابن عساكر عنه قال : وضعت لثمانية أشهر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا قال : جبريل. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر عن أبيّ بن كعب في الآية قال : تمثل لها روح عيسى في صورة بشر فحملته، قال : حملت الذي خاطبها. دخل في فيها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : مَكَاناً قَصِيّاً قال : نائياً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله : إلى جِذْعِ النخلة قال : كان جذعاً يابساً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً في قوله : وَكُنتُ نَسياً مَنسِيّاً قال : لم أخلق ولم أك شيئاً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة وَكُنتُ نَسياً مَنسِيّاً قال : حيضة ملقاة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن نوف البكالي والضحاك مثله. وأخرج عبد ابن حميد عن عكرمة في قوله : فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا قال : الذي ناداها جبريل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : الذي ناداها من تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقد اختلفت الروايات عن السلف، هل هذا المنادي هو جبريل أو عيسى. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي بكر بن عياش قال : قرأ عاصم بن أبي النجود فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا بالنصب، قال : وقال عاصم : من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأ بالخفض فهو جبريل. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن السريّ الذي قال الله لمريم قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً نهر أخرجه الله لها لتشرب منه ) وفي إسناده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم الرازي : ضعيف، وقال أبو زرعة : منكر الحديث، وقال أبو فتح الأزدي : متروك الحديث، وقال الطبراني بعد إخراج هذا الحديث : إنه غريب جدّاً. وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه عن البراء بن عازب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً قال :«النهر» وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وصححه والحاكم، وابن مردويه عن البراء قال في الآية : هو الجدول، وهو النهر الصغير، فظهر بهذا أن الموقوف أصح. وقد روي عن جماعة من التابعين أن السريّ هو عيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : رُطَباً جَنِيّاً قال : طرياً. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه في قوله : إِنّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً قال : صمتاً. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عنه أنه قرأ :«صوماً صمتاً».