ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:قوله تعالى : وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ٢٥ .
لم يصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه. ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو «الرطب الجني » المذكور. والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه «بالسري » كما تقدم هذا هو الظاهر.
وقال بعض العلماء : إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به كان جزعاً يابساً ؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جني. وقال بعض العلماء : كان الجذع جذع نخلة نابتة إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطباً جنياً. وقال بعض العلماء : كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجوداً. والذي يفهم من سياق القرآن : أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابساً أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطباً جنياً. ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى : فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة ؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به عنها الربية، وبذلك يكون قرة عين لها ؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسياً لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه. وقد نص الله جل وعلا في «آل عمران » على خرقه لها العادة في قوله كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . قال العلماء : كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا المذكور في سورة «آل عمران ».
مسألة
أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ الآية أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعا وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا. وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة. أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على الله بحال ؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر. ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف.
ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى : قُلْنَا يا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَامَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ١٩ الآية. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجَّزأ إلى معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رماداً من حرها في الوقت الذي هي كائنة برداً وسلاماً على إبراهيم. فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا.
ومن أوضح الأدلة في ذلك أنه ربما جعل الشيء سبباً لشيء آخر مع أنه مناف له : كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سبباً لحياته، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت ؟ وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ولا يقع تأثير البتة إلا بمشيئته جل وعلا.
ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله قوله تعالى عن يعقوب : وَقَالَ يا بَنِيَّّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به، لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين ؛ كما قال غير واحد من علماء السلف. ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه : وَقَالَ يا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيء إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ٦٧ . فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله : لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وبين التوكل على الله في قوله : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ٦٧ وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته. والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك :

ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل شيء له سبب
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا : لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى، قاله الربيع بن خيثم وغيره. والباء في قوله وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ لأن المتبادر من اللغة أن الأصل : وهزي إليك جذع النخلة، وقوله تعالى : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وقوله : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ . وقوله : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ٥ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ٦ الآية، وقوله : تَنبُتُ بِالدُّهْنِ على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة. ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي :
إذ يسقون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون خبزا فطيرا
لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي :
هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المعاجر لا يقرأن بالسور
فالأصل : لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره :
بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان
فالأصل : وأسفله المارح ؛ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت الباء لما ذكر وقول الأعشى :
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ملء المراجل والصريح الأجودا
فالأصل ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز :
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

أي نرجو الفرج. وقول امرئ القيس :
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
فالأصل : هصرت غصنا ؛ لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب.
وفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة :«تساقط » تسع قراءات، ثلاث منها سبعية. وست شاذة. أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة «تساقط » بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، وأصله : تتساقط ؛ فحذفت إحدى التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله «رطباً » تمييز محول عن الفاعل. وقرأه حفص وحده عن عاصم «تساقط » بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، ومضارع ساقطت تساقط. وعلى هذه القراءة فقوله «رطباً » مفعول به الفعل الذي هو «تساقط » هي أي النخلة رطباً. وقرأه بقية السبعة «تساقط » بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أصله : تتساقط ؛ فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله «رطباً » تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على قراءة حمزة وغير هذا من القراءات شاذ.
وقوله في هذه الآية الكريمة : رُطَباً جَنِيّاً ٢٥ الجني : هو ما طلب وصلح لأن يجنى فيؤكل. وعن أبي عمرو بن العلاء : أن الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس، ولم يبعد عن يدي متناوله.

قوله تعالى : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ٢٦ .
قائل هذا الكلام لمريم : هو الذي ناداها من تحتها ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف فيه ؛ هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك.
وقوله في هذه الآية الكريمة : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور ؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة ؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ أنه قول باللسان. واستدل من قال : إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسياً، فإذا قالت لإنسي بلسانها إني نذرت للرحمن صوماً فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير رحمه الله، قال في تفسير هذه الآية فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ٢٦ . وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ٢٦ قوله : إني نذرت للرحمن صوما فقد رأيت كلام العلماء في الآية. وإن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق. وإن الثاني يدل عليه قوله : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ٢٦ لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقاً. قال أبو حيان في البحر : وقوله «إنسياً » لأنها كانت تكلم الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله «إنسياً » له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائناً من كان.
مسألة
اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت قولاً على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيراً إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله :
إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر
وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة الكلام، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام، وأقوال العلماء في ذلك.
اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك. فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أين الله » ؟ فأشارت إلى السماء. فقال صلى الله عليه وسلم :«أعتقها فإنها مؤمنة » فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات. وهو الذي يعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجي به من النار. والقصة المشهورة مروية عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم السلمي، والشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنهم. وفي بعض رواياتهم : أنها أشارت إلى السماء. قال أبو داود في سننه : حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة : أن رجلاً أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال : يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة ؟ فقال لها :«أين الله » ؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها :«فمن أنا » ؟ فأشارت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال :«اعتقها فإنها مؤمنة ». والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها أين الله قالت في السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة. لأن القصة واحدة والروايات يفسر بعضها بعضاً. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في سورة «آل عمران » في الكلام على قوله تعالى قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا ما نصه : في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النَّبي صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها :«أين الله » ؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقال :«اعتقها فإنها مؤمنة » فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديان الذي يحرز به الدم والمال، وتستحق به الجنة وينجي به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء.
وروى ابن القاسم عن مالك : أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه : فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة : ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهذا باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل، لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته انتهى محل الغرض من كلام القرطبي رحمه الله. وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على قيام الإشارة مقام الكلام في أشياء متعددة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فضرب بيديه فقال :«الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين » هذا لفظ مسلم في صحيحه وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم نزل إشارته بأصابعه إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوماً، وقد يكون ثلاثين منزلة نطقه بذلك. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث : وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا. وحديث ابن عمر هذا أورده البخاري في باب ( اللعان ) مستدلاً به على أن الإشارة كاللفظ. وقد ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه أحاديث كثيرة تدل على جعل الإشارة كالنطق، قال رحمه الله تعالى :( باب الإشارة في الطلاق والأمور ) وقال ابن عمر قال النَّبي صلى الله عليه وسلم، «لا يعذب الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا » فأشار إلى لسانه، وقال كعب بن مالك : أشار النَّبي صلى الله عليه وسلم إليَّ أي خُذِ النصف. وقالت أسماء : صلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. فقلت لعائشة : ما شأن الناس وهي تصلي ؟ فأومأت برأسها إلى الشمس. فقلت : آية ؟ فأومأت برأسها أن نعم. وقال أنس : أومأ النَّبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي بكر أن يتقدم. وقال ابن عباس : أومأ النَّبي صلى الله عليه وسلم بيده لا حرج. وقال أبو قتادة : قال النَّبي صلى الله عليه وسلم في الصيد للمحرم :«آحدكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ » قالوا لا. قال :«فكلوا » حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر. وقالت زينب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وهذه » وعقد تسعين حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم :«في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه » وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر. قلنا : يزهدها : وقال الأويسي : حدثنا إبراهيم بن سعد عن شعبة بن الحجاج عن هشام بن يزيد عن أنس بن مالك قال : عدا يهودي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جارية فأخذ أوضاحاً كانت عليها، ورضخ رأسها. فأتى به أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وقد أصمتت. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من قتلك ؟ فلان » لغير الذي قتلها، فأشارت برأسها أن لا. قال : فقال لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا. فقال :«فلان » ؟ لقاتلها، فأشارت أن نعم. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين. حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول ؟ «الفتنة من هنا » وأشار إلى المشرق. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيباني ؟ عن عبد الله بن أبي أوهم قال : كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم » فلما غربت الشمس قال لرجل ؟ «أنزل فاجدح لي » قال ؟ يا رسول الله، لو أمسيت ؟ ثم قال. أنزل فاجدح » قال ؟ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لو أمسيت إن عليك نهاراً، ثم قال ؟ «أنزل فاجدح » فنزل فجدح له في الثالثة فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أومأ بيده إلى المشرق فقال :«إذا رأيتم قد أقبل من ها هنا فقد أفطر الصائم ». حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ؟ قال النَّبي صلى الله عليه وسلم :«لا يمنعن أحداً منكم نداء بلال » أو قال أذانه من سحوره ؟ فإنما ينادي أو قال يؤذن ليرجع قائمكم وليس أن يقول كأنه يعني الصبح أو الفجر، وأظهر يزيد يديه ثم مد إحداهما من الأخرى. وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق شيئاً إلا مادت على جلده حتى تجن بنانه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا لزمت كل حلقة موضعها، فهو يوسعها فلا تتسع » ويشير بأصبعه إلى حلقه. انتهى من صحيح البخاري.
فهذه أحاديث دالة، على قيام الإشارة مقام النطق في أمور متعددة. وقال ابن حجر في الفتح في هذا الباب : ذكر فيه عدة أحاديث معلقة وموصولة أولها قوله : وقال ابن عمر : هو طرف من حديث تقدم موصولاً في الجنائز، وفيه قصة لسعد بن عبادة، وفيها :«ولكن الله يعذب بهذا » وأشار إلى لسانه. ثانيها وقال كعب بن مالك ؟ هو أيضاً طرف من حديث تقدم موصولاً في الملازمة ؟ وفيها وأشار إلى أن خذ النصف. ثالثها «وقالت أسماء » هي بنت أبي بكر. صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. الحديث تقدم موصولاً في كتاب الإيمان بلفظ : فأشارت إلى السماء، وفيه. فأشارت برأسها أي نعم. وفي صلاة الكسوف بمعناه. وفي صلاة السهو باختصار إلى آخر كلامه. وبالجملة فجميع الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب المذكور كلها ثابتة في الصحيح موصولة. أما ما جاء منها موصولاً في الباب المذكور فأمره واضح. وأما ما جاء منها معلقاً في الباب المذكور فقد جاء موصولاً في محل آخر من البخاري.
والحديث الأول دل على أن النَّبي صلى الله عليه وسلم جعل إشارته إلى اللسان أن الله يعذب به كنطقه بذلك.
والحديث الثاني جعل فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم إشارته إلى كعب بن مالك أن يسقط نصف ديته عن ابن أبي حدود ويأخذ النصف ال

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير