ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ وذلك أنه كان جذعًا نخرًا ليس له سعف فلمَّا هزته نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع، ثم خرج من بين السعف، ثم نظرت إلى الطلع قد اخضر فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد احمر فصار زهوا، ثم نظرت إلى البسر الأحمر قد صار رطبا كل ذلك طرفة عين قبل أن يرتد إليها طرفها، فجعل الرطب يقع بين يديها في أقماعه ولا يتشدخ منها شيء، فطابت نفسها) (١).
٢٦ - قوله تعالى: فَكُلِي قال ابن عباس: (من الرطب وَاشْرَبِي من السري وَقَرِّي عَيْنًا يريد بعيسى) (٢). قال الكسائي: (قَرِرْتُ به عينا أَقَرُّ، قُرَّةً، وقُرُورًا) (٣).
وبعضهم يقول: قَرِرْتُ، أَقَرُ، القُرَّةُ المصدر، والقُرَّة كل شيء قَرَّتْ به عينك، وأَقَرَّ الله عينه فَقَرَّت (٤). قال الأصمعي: (أَقَرَّ مأخوذ من القُرُّ والقِرَّة، وهما البرد، ومعنى أَقَرَّ الله عينه أبرد الله دمعه؛ لآن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة (٥).
قال المنذري: (وعرض هذا القول على أحمد بن يحيى فأنكره،

(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٩٥، "روح المعاني" ١٦/ ٨٥، "البحر المحيط" ٦/ ١٨٤.
(٢) ذكر نحوه "معالم التنزيل" ٥/ ٢٢٧، و"الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٩٦، "تنوير المقباس" ٢٥٥.
(٣) "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤.
(٤) "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، "لسان العرب" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.
(٥) "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٧، "زاد المسير" ٥/ ٢٢٤، "إعراب القرآن" للنحاس ٣١١، "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، "لسان العرب" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.

صفحة رقم 231

وقال: الدمع كله حار في فرح كان أو حزن) (١).
وحكي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: (أَقَرَّ الله عينك سكن الله عينك بالنظر إلى ما تحب. أي: صادفت ما يرضيك فَتَقَرّ عينك من النظر إلى غيره. والعرب تقول للذي يدرك ثاره: وقعت بقرك، أي: صادف فؤادك ما كان متطلعا إليه فَقَرَّ) (٢).
وقولهم: فلان قُرَّة عيني معناه رضي نفسي، أي: ترضى نفسي وتَقر وتسكن بقربه مني ونظري إليه (٣).
قال أبو عمرو الشيباني: (أقر الله عينه أنام الله عينه، والمعنى صادف سرورًا يذهب سهره فينام) (٤)، وأنشد (٥):
أَقَرَّ بِه مَوَالِيْك العُيُونَا
أي: نامت عيونهم لما ظفروا بما أرادوا. وقال الفراء: وَقَرِّي عَيْنًا جاء في التفسير: طيبي نفسا، وإنما نصبت العين؛ لأن الفعل كان

(١) "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤.
(٢) "زاد المسير" ٥/ ٢٢٤، "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، "لسان العرب" (قر) ٦/ ٣٥٨١.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، "مقاييس اللغة" (قر) ٥/ ٧، "الصحاح" (قرر) ٢/ ٧٨٨، "المفردات في غريب القرآن" (قر) ٣٩٧، "لسان العرب" (قر) ٦/ ٣٥٨١.
(٤) "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٣١١، "تهذيب اللغة" (قر) ٣/ ٢٩٢٤، "لسان العرب" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.
(٥) هذا عجز بيت ينسب لعمرو بن كلثوم وصدره:
بيوم كريهة ضربًا وطعنًا
انظر: "تهذيب اللغة" (قرر) ٣/ ٢٩٢٤، "لسان العرب" (قرر) ٦/ ٣٥٨١.

صفحة رقم 232

لها، فصيرته للمرأة فمعناه لتقر عينك، فإذا حول الفعل عن صاحبه إلى ما قبله نُصب صاحب الفعل على التفسير، كقوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا [النساء: ٤]، معناه: فإن طابت أنفسهن، ومثله: وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا (١)، وسؤت به ظنا) (٢).
وقوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ ترين كان في الأصل ترأيين فحذفت الهمزة كما حذفت من يرى وترى، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار تريين فلما تحركت الياء الأولى وانفتح ما قبلها صارت ألفا، فاجتمع ساكنان أحدهما الألف المنقلبة في الياء والأخرى ياء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (تَرَيْنَ) ثم حذفت النون علامة للجزم؛ لأن قوله: إما حرف شرط فبقي ترى، ثم دخلته نون التأكيد وهي منقلة فكسرت الياء أعني ياء التأنيث لالتقاء الساكنين إذ النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى منها ساكنة فصار تنوين (٣).
قال الزجاج: (وكذلك تقول للمرآة: اخشينَّ زيدا) (٤). يعني أن ياء التأنيث تكسر لأجل نون التأكيد وكذلك تقول: ألم تَرَى القوم، ولم تَخْشَى الرجل فتحرك بالكسر مع لام المعرفة وسائر السواكن كذلك حركتها مع النون الشديدة بالكسر ولم ترد اللام التي حذفتها لالتقاء الساكنين لما حركت الساكن الذي كنت حذفت اللام لالتقائها معه؛ لأن حركة الالتقاء الساكن غير لازمه وهي في تقدير السكون كما لم ترد في قولك: رَمَتِ ابنك

(١) سورة هود الآية رقم: (٧٧)، وسورة العنكبوت الآية رقم: (٣٣).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٦٦.
(٣) "إملاء ما من به الرحمن" ١/ ١١٣، "الدر المصون" ٧/ ٥٩١.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٢٧.

صفحة رقم 233

ونحوه، وإذا قلت للواحدة: تَرَيْنَ كان اضافته على ضمير التأنيث وليست لام الفعل؛ لأن لام الفعل قد حذفت لالتقاء الساكنين كما ذكرنا، فإن خاطبت جماعة نساء قلت: كيف تَرَيْنَ؟ فالياء لام الفعل، وليست التي للضمير كما كانت] (١) في خطاب الواحدة ألا ترى أن قولك: أَنْتُنَّ تَذْهَبْنَ، تلي فيه الباء التي هي لام الفعل علامة الضمير للتأنيث وهي النون، فقياس المعتل في هذا قياس الصحيح، ولذلك لو قلت للواحدة: كيف تَرَيْنَك كانت النون علامة للرفع والياء علامة الضمير، ولو قلت لجماعة نساء: كيف تَرَيْنَكُنَّ، كانت النون علامة الضمير والياء لام الفعل، فإذا ألحق الجازم والناصب ترين، وتأتين حذفت النون للجزم والنصب، ولو لحق فعل الجميع لم تحذف النون كما لم تحذف في؛ لم تَضرِبنَ. ذكر هذا كله أبو علي الفارسي في "المسائل الحلبية" (٢).
قوله تعالى: فَقُولِي فيه اختصار؛ لأن المعنى: فإما ترين من البشر أحدًا فسألك عن ولدك فقدلي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا قال ابن عباس: (صمتا) (٣). ومعنى الصوم في اللغة: الإمساك عن الأكل وعن الكلام (٤). والمعنى أوجبت على نفسي لله تعالى أن لا أتكلم.
وقال قتادة: (صامت من الكلام، والطعام، والشراب) (٥).

(١) من قوله: (فأرسل الله الماء فيه لمريم..) إلى هنا ساقط من نسخة: (س).
(٢) "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ٨٧.
(٣) "جامع البيان" ١٦/ ٧٤، "بحر العلوم" ٢/ ٣٢٢، "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٧، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٣١، "زاد المسير" ٥/ ٢٢٥، "الدر المنثور" ٤/ ٤٨٥.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (صام) ٢/ ١٩٦٤، "مقاييس اللغة" (صوم) ٣/ ٣٢٣، "القاموس المحيط" (صام) ص ١١٣١، "المفردات في غريب القرآن" (صوم) ٢٩١.
(٥) "تفسير القرآن" للصنعاني ٢/ ٨، "جامع البيان" ١٦/ ٧٤، "النكت والعيون" =

صفحة رقم 234

وعلى هذا معنى قوله: نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا هو الصوم المعروف الذي هو عبادة. قال السدي، وابن زيد: (كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم الصائم حتى يمسي) (١). ويدل على صحة هذا القول قوله: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا أي: إني صائم فلا أكلم اليوم أحدًا. ولو أريد بالصوم هاهنا الصمت فقط لم يحتج إلى قوله فلن أكلم اليوم. وأيضًا فإنه قال: نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا والصوم الذي هو لله إنما هو (٢) ترك الطعام لا ترك الكلام.
قال المفسرون: (كان قد أذن لها أن تقول: نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ثم تسكت ولا تتكلم بشيء آخر) (٣).
وقال قوم: (كانت تقول هذا القدر إشارة بحيث يعرف أنها ممسكة عن الكلام) (٤). وأما سبب أمرها] (٥) بترك الكلام فقال ابن مسعود، وابن

= ٣/ ٣٦٧، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٣٣١.
(١) "جامع البيان" ١٦/ ٧٤، "المحرر الوجيز" ٩/ ٤٥٨، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٢٧، "زاد المسير" ٥/ ٢٢٥، "الدر المنثور" ٤/ ٤٨٥.
(٢) قوله: (هو)، ساقط من نسخة (س).
(٣) "النكت والعيون" ٣/ ٣٦٨، "المحرر الوجيز" ٩/ ٤٥٨، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٢٧،" الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ٩٨.
وهذا قول جمهور المفسرين. قال أبو حيان في "تفسيره" ٦/ ١٩٥: إن المعنى فلن أكلم اليوم إنسيا بعد قولي هذا، وبين الشرط وجزائه جملة محذوفة يدل عليه المعنى أي: فإما ترين من البشر أحدًا وسألك أو حاورك الكلام فقولي. وانظر: "أضواء البيان" ٤/ ٢٥٤.
(٤) "بحر العلوم" ٢/ ٣٢٢، "المحرر الوجيز" ٩/ ٤٥٨، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٢٨، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٣١.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

صفحة رقم 235

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية