ثم يذكر زكريا عليه السلام علة أخرى هي علة العلل ولب هذه المسألة.
( الموالي )من الولاء، وهم أقاربه من أبناء عمومته، فهم الجيل الثاني الذي سيأتي بعده، ويخاف أن يحملوا المنهج ودين الله من بعده لأنه رأي من سلوكياتهم في الحياة عدم أهليتهم لحمل هذه المهمة. من ورائي.. " ٥ " ( سورة مريم ).
سبق أن أوضحنا في صوره الكهف أن كلمه وراء تأتى بمعنى : خلف، أو أمام، أو بعد، أو غير. وهنا جاءت بمعنى : من بعدى. ثم يقول : وكانت امرأتي عاقرا.. " ٥ " ( سورة مريم ).
والعاقر هي التي لا تلد بطبيعتها بداية، أو صارت عاقر بسبب بلوغها سن اليأس مثلا. ونحن نعلم أن التكاثر والإنجاب في الجنس البشرى ينشأ من رجل وامرأة، وقد سبق أن وصف زكريا حاله من الضعف والكبر، ثم يخبر عن زوجته بأنها عاقر لا تلد، إذن : فأسباب الإنجاب كلها معطلة.
وقوله : وكانت امرأتي عاقرا.. " ٥ " ( سورة مريم )أي : هي بطبيعتها عاقر، وهذا أمر مصاحب لها ليس طارئا عليها، فلم يسبق لها قبل ذلك.
ثم يقول : فهب لي.. " ٥ " ( سورة مريم )والهبة هي العطاء بلا مقابل، فلأسباب هنا معطلة، والمقدمات تقول : لا يوجد إنجاب ؛ لذلك لم يقل مثلا أعطني ؛ لأن العطاء قد يكون عن مقابل، أما في هذه الحالة فالعطاء بلا مقابل وبلا مقدمات، فكأنه قال : يا رب إن كنت ستعطيني الولد فهو هبة منك لا أملك أسبابها ؛ لذلك قال في آية أخرى عن إبراهيم عليه السلام :
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل.. " ٣٩ " ( سورة إبراهيم ).
ولنا وقفة وملحظ على قوله تعالى : على الكبر.. " ٣٩ " ( سورة إبراهيم )
حيث قال المفسرون :( على )هنا بمعنى ( مع )و ( على )ثلاثة أحرف و ( مع )حرفان، فلماذا عدل الحق تبارك وتعالى عن الخفيف إلى الثقيل ؟ لا بد أن وراء هذا اللفظ إضافة جديدة، وهي أن مع تفيد المعية فقط، أما ( على )على تفيد المعية والاستعلاء، فكأنة قال : إن الكبر يا رب يقتضي ألا يوجد الولد، لكن طلاقة قدرتك أعلى من الكبر. ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. " ٦ " ( سورة الرعد )كأن الظلم يقتضي أن يعاقبوا، لكن رحمة الله بهم ومغفرته لهم علت على استحقاق العقاب. وقوله :
من لدنك.. " ٥ " ( سورة مريم )أي : من عندك أنت لا بالأسباب ( وليا )أي :: ولدا صالحا يلينى في حمل أمانة تبليغ منهجك إلى الناس لتسلم لهم حركة الحياة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي