ﭓﭔﭕﭖﭗ ﭙﭚﭛﭜﭝ ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

سورة مريم
المشهور تسميتها بذلك ورويت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم،
فقد أخرج الطبراني وأبو نعيم والديلمي من طريق أبي بكر ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن أبيه عن جده قال: أتيت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلت: ولدت لي الليلة جارية فقال: والليلة أنزلت علي سورة مريم
، وجاء فيما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تسميتها بسورة «كهيعص» وهي مكية كما روي عن عائشة وابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وقال مقاتل: هي كذلك إلا آية السجدة فإنها مدنية نزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة، وفي الإتقان استثناء قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] أيضا، وهي عند العراقيين والشاميين ثمان وتسعون آية وعند المكيين تسع وتسعون وللمدنيين قولان، ووجه مناسبتها لسورة الكهف اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من الأعاجيب كقصة ولادة يحيى. وقصة ولادة عيسى عليهما السلام ولهذا ذكرت بعدها، وقيل إن أصحاب الكهف يبعثون قبل الساعة ويحجون مع عيسى عليه السلام حين ينزل ففي ذكر هذه السورة بعد تلك مع ذلك إن ثبت ما لا يخفى من المناسبة، ويقوى ذلك ما قيل أنهم من قومه عليه السّلام وقيل غير ذلك.
كهيعص
أخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن ذلك فحدث عن أبي صالح عن أم هانىء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال كاف هاد عالم صادق،
واختلفت الروايات عن ابن عباس، ففي رواية أنه قال: كاف من كريم وها من هاد

صفحة رقم 377

ويا من حكيم وعين من عليم وصاد من صادق، وفي رواية أنه قال: كبير هاد أمين عزيز صادق، وفي أخرى أنه قال: هو قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسماء الله تعالى، وفي أخرى أنه كان يقول: كهيعص وحم ويس وأشباه هذا هو اسم الله تعالى الأعظم، ويستأنس له بما
أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة بنت علي قالت: كان علي كرم الله تعالى وجهه: يقول يا كهيعص اغفر لي
، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم قالوا كهيعص هو الهجاء المقطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصادق من المصور.
وأخرج أيضا عن محمد بن كعب نحو ذلك إلا أنه لم يذكر الياء، وقال الصاد من الصمد.
وأخرج أيضا عن الربيع بن أنس أنه قال في ذلك: يا من يجير ولا يجار عليه، وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد عن قتادة أنه اسم من أسماء القرآن، وقيل: إنه اسم للسورة وعليه جماعة، وقيل حروف مسرودة على نمط التعديد ونسب إلى جمع من أهل التحقيق، وفوض البعض علم حقيقة ذلك إلى حضرة علام الغيوب.
وقد تقدم تمام الكلام في ذلك وأمثاله في أول سورة البقرة فتذكر، وقرأ الجمهور كاف بإسكان الفاء، وروي عن الحسن ضمها وأمال نافع هاويا بين اللفظين وأظهر دال صاد ولم يدغمها في الذال بعد وعليه الأكثرون.
وقرأ الحسن بضم الهاء وعنه أيضا ضم الياء وكسر الهاء، وعن عاصم ضم الياء وعنه أيضا كسرهما، وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء، قال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن المقري الرازي في كتاب اللوامح: إن الضم في هذه الأحرف ليس على حقيقته وإلا لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل المراد أن ينحى هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز وهي التي تسمى ألف التفخيم ضد الإمالة، وهذه الترجمة كما ترجموا عن الفتحة الممالة المقربة من الكسر بالكسر لتقريب الألف بعدها من الياء انتهى، ووجه الإمالة والتفخيم أن هذه الألفات لما لم يكن لها أصل حملوها على المنقلبة عن الواو تارة، وعن الياء أخرى فيجوز الأمران دفعا للتحكم.
وقرأ أبو جعفر بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضها من بعض واقتضى ذلك إسكان أخرهن، والتقاء الساكنين مغتفر في باب الوقف، وأدغم أبو عمرو دال صاد في الذال بعد وقرأ حفص عن عاصم وفرقة بإظهار النون من عين، والجمهور على إخفائها. واختلف في إعرابه فقيل على القول بأن كل حرف من اسم من أسمائه تعالى لا محل لشيء من ذلك ولا للمجموع من الإعراب، وقيل: إن كل حرف على نية الإتمام خبر لمبتدأ محذوف أي هو كاف هو هاد وهكذا أو الأول على نية الإتمام كذلك والبواقي خبر بعد خبر. وعلى ما روي عن الربيع قيل: هو منادي وهو اسم من أسمائه تعالى معناه الذي يجير ولا يجار عليه. وقيل لا محل له من الإعراب أيضا وهو كلمة تقال في موضع نداء الله تعالى بذلك العنوان مثل ما يقال مهيم في مقام الاستفسار عن الحال وهو كما ترى، وعلى القول بأنه حروف مسرودة على نمط التعديد قالوا: لا محل له من الأعراب وقوله تعالى ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ على هذه الأقوال خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلو ذِكْرُ إلخ. ويقال على الأخير المؤلف من جنس هذه الحروف المبسوطة مرادا به السورة ذِكْرُ إلخ. وقيل مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليك ذِكْرُ إلخ، وعلى القول بأنه اسم للسورة قيل محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا كهيعص أي مسمى به. وإنما صحت الإشارة إليه مع عدم جريان ذكره لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد كما قيل في قولهم هذا ما اشترى فلان.
وفي ذِكْرُ وجهان كونه خبرا لمبتدأ محذوف وكونه مبتدأ خبره محذوف، وقيل محله الرفع على أنه مبتدأ وذِكْرُ إلخ خبره أي المسمى به ذكر إلخ فإن ذكر ذلك لما كان مطلع السورة الكريمة ومعظم ما انطوت هي عليه جعلت كأنها نفس ذكره أو الإسناد باعتبار الاشتمال أو هو بتقدير مضاف أي ذو ذكر إلخ أو بتأويل مذكور فيه رحمة

صفحة رقم 378

ربك، وعلى القول بأنه اسم للقرآن قيل المراد بالقرآن ما يصدق على البعض ويراد به السورة والإعراب هو الإعراب وحينئذ لا تقابل بين القولين. وقيل المراد ما هو الظاهر وهو مبتدأ خبره ذِكْرُ إلخ والإسناد باعتبار الاشتمال أو التقدير أو التأويل وقوله تعالى عَبْدَهُ مفعول لرحمة ربك على أنها مفعول لما أضيف إليه وهو مصدر مضاف لفاعله موضوع هكذا بالتاء لا أنها للوحدة حتى تمنع من العمل لأن صيغة الوحدة ليست الصيغة التي اشتق منها الفعل ولا الفعل دال على الوحدة فلا يعمل المصدر لذلك عمل الفعل إلا شذوذا كما نص عليه النحاة، وقيل مفعول للذكر على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع، ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها كما يقال ذكرني معروفك أي بلغني، وقوله عز وجل زَكَرِيَّا بدل منه بدل كل من كل أو عطف بيان له أو نصب بإضمار أعني. وقوله تعالى شأنه إِذْ نادى رَبَّهُ ظرف لرحمة ربك وقيل لذكر على أنه مضاف لفاعله لا على الوجه الأول لفساد المعنى وقيل: هو بدل اشتمال من زَكَرِيَّا كما قوله تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
[مريم: ١٦].
وقرأ الحسن وابن يعمر كما حكاه أبو الفتح «ذكّر» فعلا ماضيا مشددا و «رحمة» بالنصب على أنه كما في البحر مفعول ثان لذكر والمفعول الأول محذوف و «عبده» مفعول لرحمة وفاعل «ذكّر» ضمير القرآن المعلوم من السياق أي ذكر القرآن الناس أن رحم سبحانه عبده، ويجوز أن يكون فاعل «ذكّر» ضمير كهيعص بناء على أن المراد منه القرآن ويكون مبتدأ والجملة خبره، وأن يكون الفاعل ضميره عز وجل أي ذكر الله تعالى الناس ذلك، وجوز أن يكون رَحْمَتِ رَبِّكَ مفعولا ثانيا والمفعول الأول هو عَبْدَهُ والفاعل ضميره سبحانه أي ذكر الله تعالى عبده رحمته أي جعل العبد يذكر رحمته، وإعراب زَكَرِيَّا كما مر، وجوز أن يكون مفعولا لرحمة والمراد بعبده الجنس كأنه قيل ذكر عباده رحمته زكريا وهو كما ترى، ويجوز على هذا أن يكون الفاعل ضمير القرآن، وقيل يجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى والرحمة مفعولا أولا و «عبده» مفعولا ثانيا ويرتكب المجاز أي جعل الله تعالى الرحمة ذاكرة عبده، وقيل «رحمة» نصب بنزع الخافض أي ذكر برحمة، وذكر الداني عن أبي يعمر أنه قرأ «ذكر» على الأمر والتشديد و «رحمة» بالنصب أي ذكر الناس رحمة أو برحمة ربك عبده زكريا.
وقرأ الكلبي «ذكر» فعلا ماضيا خفيفا و «رحمة ربك» بالنصب على المفعولية لذكر و «عبده» بالرفع على الفاعلية له. وزكريا عليه السّلام من ولد سليمان بن داود عليهما السّلام، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه آخر أنبياء بني إسرائيل وهو ابن آزر بن مسلم من ذرية يعقوب، وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه ابن دان وكان من أبناء الأنبياء الذين يكتبون الوحي في بيت المقدس، وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا أنه عليه السّلام كان نجارا.
وجاء في اسمه خمس لغات أولها المد وثانيها القر وقرئ بهما في السبع وثالثها زكري بتشديد الياء. ورابعها زكرى بتخفيفها وخامسها زكر كقلم وهو اسم أعجمي، والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره وقد يقال لمجرد الصوت بل لكل ما يدل على شيء وإن لم يكن صوتا على ما حققه الراغب، والمراد هنا إذ دعا ربه نِداءً أي دعاء خَفِيًّا مستورا عن الناس لم يسمعه أحد منهم حيث لم يكونوا حاضريه وكان ذلك على ما قيل في جوف الليل، وإنما أخفى دعاءه عليه السّلام لأنه أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد لتوقفه على مبادئ لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة وعن غائلة مواليه، وعلى ما ذكرنا لا منافاة بين النداء وكونه خفيا بل لا منافاة بينهما أيضا إذا فسر النداء برفع الصوت لأن الخفاء غير الخفوت ومن رفع صوته في

صفحة رقم 379

مكان ليس بمرأى ولا مسمع من الناس فقد أخفاه، وقيل: هو مجاز عن عدم الرياء أي الإخلاص ولم ينافه النداء بمعنى رفع الصوت لهذا.
وفي الكشف أنه الأشبه أنه كناية مع إرادة الحقيقة لأن الخفاء في نفسه مطلوب أيضا لكن المقصود بالذات الإخلاص، وقيل مستورا عن الناس بالمخافتة، ولا منافاة بناء على ارتكاب المجاز أو بناء على أن النداء لا يلزمه رفع الصوت ولذا قيل: يا من ينادي بالضمير فيسمع وكان نداؤه عليه السّلام كذلك لما مر آنفا أو لضعف صوته بسبب كبره كما قيل الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، قيل: كان سنه حينئذ ستين سنة، وقيل خمسا وستين، وقيل سبعين، وقيل خمسا وسبعين، وقيل ثمانين، وقبل خمسا ثمانين، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل تسعا وتسعين، وقيل مائة وعشرين وهو أوفق بالتعليل المذكور.
وزعم بعضهم أنه أشير إلى كون النداء خفيا ليس فيه رفع بحذف حرفه في قوله تعالى قالَ رَبِّ والجملة تفسير للنداء وبيان لكيفيته فلا محل لها من الإعراب إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أي ضعف، وإسناد ذلك إلى العظم لما أنه عماد البدن ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة تداعى ما وراءه وتساقطت قوته ففي الكلام كناية مبنية على تشبيه مضمر في النفس أو لأنه أشد أجزائه صلابة وقواما وأقلها تأثرا من العلل فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ففي الكلام كناية بلا تشبيه، وأفرد- على ما قاله العلامة الزمخشري وارتضاه كثير من المحققين- لأن المفرد هو الدال على معنى الجنسية والقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان القصد إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها حتى كأنه وقع من سامع شك في الشمول والإحاطة لأن القيد في الكلام ناظر إلى نفي ما يقابله وهذا غير مناسب للمقام، وقال السكاكي: إنه ترك جمع الْعَظْمُ إلى الأفراد لطلب شمول الوهن العظام فردا فردا ولو جمع لم يتعين ذلك لصحة وهنت العظام عند حصول الوهن لبعض منها دون كل فرد وهو مسلك آخر مرجوح عند الكثير وتحقيق ذلك في موضعه، وعن قتادة أنه عليه السّلام اشتكى سقوط الأضراس ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى خبر يدل عليه فإن انفهامه من الآية مما لا يكاد يسلم، ومِنِّي متعلق بمحذوف هو حال من العظم، ولم يقل- عظمي- مع أنه أخصر لما في ذلك من التفصيل بعد الإجمال ولأنه أصرح في الدلالة على الجنسية المقصودة هنا، وتأكيد الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها.
وقرأ الأعمش «وهن» بكسر الهاء، وقرىء بضمها أيضا وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شبه الشيب في البياض والإنارة بشواظ النار وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ففي الكلام استعارتان تصريحية تبعية في اشْتَعَلَ ومكنية في الشيب، وانفكاكها عن التخييلية مما عليه المحققون من أهل المعاني على أنه يمكن على بعد القول بوجود التخييلية هنا أيضا. وتكلف بعضهم لزعمه عدم جواز الانفكاك وعدم ظهور وجود التخييلية إخراج ما في الآية مخرج الاستعارة التمثيلية وليس بذاك، وأسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وأخرج مخرج التمييز للمبالغة وإفادة الشمول فإن اسناد معنى إلى ظرف ما اتصف به زمانيا أو مكانيا يفيد عموم معناه لكل ما فيه في عرف التخاطب فقولك: اشتعل بيته نارا يفيد احتراق جميع ما فيه دون اشتعل نار بيته.
وزعم بعضهم أن شَيْباً نصب على المصدرية لأن معنى اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شاب، وقيل هو حال أي شائبا وكلا القولين لا يرتضيهما كامل كما لا يخفى، واكتفى باللام عن الإضافة لأن تعريف العهد المقصود هنا يفيد ما تفيده، ولما كان تعريف الْعَظْمُ السابق للجنس كما علمت لم يكتف به وزاد قوله مِنِّي وبالجملة ما أفصح هذه الجملة وأبلغها، ومنها أخذ ابن دريد قوله:

صفحة رقم 380

واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل النساء
وعن أبي عمرو أنه أدغم السين في الشين وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أي لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل بل كلما دعوتك استجبت لي، والجملة معطوفة على ما قبلها، وقيل حال من ياء المتكلم إذ المعنى واشتعل رأسي وهو غريب، وهذا توسل منه عليه السّلام بما سلف منه تعالى من الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة من كبر السن وضعف الحال فإنه تعالى بعد ما عود عبده الإجابة دهرا طويلا لا يكاد يخيبه أبدا لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره، وفي هذا التوسل من الإشارة إلى عظم كرم الله عز وجل ما فيه.
وقد حكى أن حاتما الطائي، وقيل معن بن زائدة أتاه محتاج فسأله وقال: أنا الذي أحسنت إليه وقت كدا فقال:
مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته، وقيل المعنى ولم أكن بدعائك إياي إلى الطاعة شقيا بل كنت ممن أطاعك وعبدك مختصا فالكاف على هذا فاعل والأول أظهر وأولى وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه السّلام لا سيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع.
وقد جاء في بعض الآثار أن العبد إذا قال في دعائه: يا رب قال الله تعالى له: لبيك عبدي
وروي أن موسى عليه السّلام قال يوما في دعائه: يا رب فقال الله سبحانه وتعالى له: لبيك يا موسى فقال موسى: أهذا لي خاصة فقال الله تبارك وتعالى: لا ولكن لكل من يدعوني بالربوبية
، وقيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته عز وجل وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ هم عصبة الرجل على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ومجاهد، وعن الأصم أنهم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب. وقيل: من يلي أمره من ذوي قرابته مطلقا، وكانوا على سائر الأقوال شرار بني إسرائيل فخاف عليه السّلام أن لا يحسنوا خلافته في أمته، والجملة عطف على قوله إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي مترتب مضمونها على مضمونة فإن ضعف القوى وكبر السن من مبادئ خوفه عليه السّلام من يلي أمره بعد موته حسبما يدل عليه قوله مِنْ وَرائِي فإن المراد منه بإجماع من علمنا من المفسرين من بعد موتي، والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أي خفت فعل الموالي من ورائي أو جور المولى وقد قرىء كما في إرشاد العقل السليم كذلك، وجوز تعلقه بالموالي ويكفي في ذلك وجود معنى الفعل فيه في الجملة، فقد قالوا: يكفي في تعلق الظرف رائحة الفعل ولا يشترط فيه أن يكون دالا على الحدوث كاسم الفاعل والمفعول حتى يتكلف له ويقال: إن اللام في الموالي على هذا موصول والظرف متعلق بصلته وإن مولى مخفف مولى كما قيل في معنى أنه مخفف معنى فإنه تعسف لا حاجة إليه، نعم قالوا في حاصل المعنى على هذا: خفت الذين يلون الأمر من ورائي، ولم يجوز الزمخشري تعلقه بخفت لفساد المعنى، وبين ذلك في الكشف بأن الجار ليس صلة الفعل لتعديه إلى المحذور بلا واسطة فتعين أن يكون للظرفية على نحو خفت الأسد قبلك أو من قبلك وحينئذ يلزم أن يكون الخوف ثابتا بعد موته وفساده ظاهر وبعضهم رأى جواز التعلق بناء على أن كون المفعول في ظرف مصحح لتعلق ذلك الظرف بفعله كقولك: رميت الصيد في الحرم إذا كان الصيد فيه دون رميك والظاهر عدم الجواز فافهم، وقال ابن جني: هو حال مقدرة من الْمَوالِيَ وعن ابن كثير أنه قرأ «ومن وراي» بالقصر وفتح الياء كعصاي.
وقرأ الزهري «الموالي» بسكون الياء. وقرأ عثمان بن عفان وابن عباس وزيد بن ثابت وعلي بن الحسين وولداه محمد بن وزيد وسعيد بن العاص وابن جبير وأبو يعمر وشبيل بن عزرة والوليد بن مسلم لابن عامر «خفّت» بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر تاء التأنيث «الموالي» بسكون الياء على أن «خفت» من الخفة ضد الثقل ومعنى مِنْ وَرائِي

صفحة رقم 381

كما تقدم: والمراد وأني قل الموالي وعجزوا عن القيام بأمور الدين من بعدي أو من الخفوف بمعنى السير السريع ومعنى مِنْ وَرائِي من قدامي وقبلي، والمراد وأني مات الموالي القادرون على إقامة مراسم الملة ومصالح الأمة وذهبوا قدامي ولم يبق منهم من به تقوى واعتضاد فيكون محتاجا إلى العقب لعجز مواليه عن القيام بعده بما هو قائم به أو لأنهم ماتوا قبله فبقي محتاجا إلى من يعتضد به، وتعلق الجار والمجرور على الوجه الثاني بالفعل ظاهر، وأما على الوجه الأول فإن لوحظ أن عجزهم وقلتهم سيقع بعده لا أنه واقع وقت دعائه صح تعلقه بالفعل أيضا وإن لم يكن كذلك تعلق بغير ذلك.
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي لا تلد من حين شبابها إلى شيبها، فالعقر بالفتح والضم العقم، ويقال عاقر للذكر والأنثى فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ كلا الجارين متعلق بهب واللام صلة له ومن لابتداء الغاية مجازا، وتقديم الأول لكون مدلوله أهم عنده، وجوز تعلق الثاني بمحذوف وقع حالا من المفعول الآتي. وتقدم الكلام في لدن، والمراد أعطني من محض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة بطريق الاختراع لا بواسطة الأسباب العادية، وقيل المراد أعطني من فضلك كيف شئت وَلِيًّا أي ولدا من صلبي وهو الظاهر، ويؤيده قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه عليه السّلام قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] وقيل إنه عليه السّلام طلب من يقوم مقامه ويرثه ولدا كان أو غيره، وقيل: أنه عليه السّلام أيس أن يولد له من امرأته فطلب من يرثه ويقوم مقامه من سائر الناس وكلا القولين لا يعول عليه. وزعم الزمخشري أن مِنْ لَدُنْكَ تأكيد لكونه وليا مرضيا ولا يخفى ما فيه. وتأخير المفعول عن الجارين لإظهار كمال الاعتناء بكون الهبة له على ذلك الوجه البديع مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما بعده من الوصف فتأخيرهما عن الكل وتوسيطهما بين الموصوف والصفة مما لا يليق بحزالة النظم الكريم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ما ذكره عليه السّلام من كبر السن وضعف القوى وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عليه السّلام عن حصول الولد بتوسط الأسباب العادية واستيهابه على الوجه الخارق للعادة.
وقيل لأن ذلك موجب لانقطاع رجائه عن حصول الولد منها وهي في تلك الحال واستيهابه على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، وهو مبني على القول الثاني في المراد من فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا والأول أولى.
ولا يقدح فيما ذكر أن يكون هناك داع آخر إلى الإقبال على الدعا من مشاهدته عليه السّلام للخوارق الظاهرة في حق مريم كما يعرب عنه قوله تعالى هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ الآية. وعدم ذكره هاهنا للتعويل على ما ذكر هنالك كما أن عدم ذكر مقدمة الدعاء هنالك للاكتفاء بذكرها هاهنا، والاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من السنن التنزيلية، وقوله يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ صفة لوليا كما هو المتبادر من الجملة الواقعة بعد النكرات، ويقال: ورثه وورث منه لغتان كما قيل، وقيل من للتعبيض لا للتعدية، وآل الرجل خاصته الذين يؤل إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، ويعقوب على ما روي عن السدي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فإن زكريا من ولد هارون وهو من ولد لاوي ابن يعقوب وكان متزوجا بأخت مريم بنت عمران وهي من ولد سليمان بن داود عليهما السّلام وهو من ولد يهوذ بن يعقوب أيضا. وقال الكلبي ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان وأخوه عمران بن ماثان أبو مريم.
وقيل: هو أخو زكريا عليه السّلام والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل.
وقال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا عليه السّلام رئيس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده الحبورة ويرث من بني ماثان ملكهم فتكون الوراثة مختلفة في الموضعين وأيد ذلك بعدم اختيار العطف على الضمير المنصوب والاكتفاء بيرث الأول، وقيل الوراثة الأولى وراثة النبوة والثانية وراثة الملك فتكون مختلفة أيضا إلا أن قوله وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي مرضيا عندك قولا وفعلا، وقيل راضيا والأول أنسب يكون على هذا تأكيدا لأن النبي

صفحة رقم 382

شأنه أن يكون كذلك، وعلى ما قلنا يكون دعاء بتوفيقه للعمل كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم فكأنه طلب أن يكون ولده عالما عاملا، وقيل: المراد اجعله مرضيا بين عبادك أي متبعا فلا يكون هناك تأكيد مطلقا، وتوسيط رَبِّ بين مفعولي الجعل على سائر الأوجه للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه.
واختار السكاكي أن الجملتين مستأنفتان استئنافا بيانيا لأنه يرد أنه يلزم على الوصفية أن لا يكون قد وهب لزكريا عليه السّلام من وصف لهلاك يحيى عليه السّلام قبل هلاكه لقتل يحيى عليه السّلام قبل قتله. وتعقب ذلك في الكشف بأنه مدفوع بأن الروايات متعارضة والأكثر على هلاك زكريا قبله عليهما السّلام، ثم قال: وأما الجواب بأنه لا غضاضة في أن يستجاب للنبي بعض ما سأل دون بعض ألا ترى إلى دعوة نبينا صلّى الله عليه وسلّم في حق أمته حيث
قال عليه الصلاة والسّلام: «وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها»
وإلى دعوة إبراهيم عليه السّلام في حق أبيه فإنما يتم لو كان المحذور ذلك وإنما المحذور لزوم الخلف في خبره تعالى فقد قال سبحانه وتعالى في [الأنبياء: ٨٤، ٨٨، ٩٠] فَاسْتَجَبْنا لَهُ وهو يدل على أنه عليه السّلام أعطى ما سأل من غير تفرقة بين بعض وبعض وكذلك سياق الآيات الأخر. ولك أن تستدل بظاهر هذه الآية على ضعف رواية من زعم أن يحيى هلك قبل أبيه عليهما السّلام، وأما الإيراد بأن ما اختير من الحمل على الاستئناف لا يدفع المحذور لأنه وصل معنوي فليس بشيء لأن الوصل ثابت ولكنه غير داخل في المسئول لأنه بيان العلة الباعثة على السؤال ولا يلزم أن يكون علة السؤال مسؤولة انتهى.
وأجاب بعضهم بأنه حيث كان المراد من الوراثة هنا وراثة العلم لا يضر هلاكه قبل أبيه عليهما السّلام لحصول الغرض وهو أخذ ذلك وإفاضته على الغير بحيث تبقى آثاره بعد زكريا عليه السّلام زمانا طويلا ولا يخفى أن المعروف بقاء ذات الوارث بعد الموروث عنه.
وقرأ أبو عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة واليزيدي وابن عيسى الأصفهاني وابن محيصن وقتادة بجزم الفعلين على أنهما جواب الدعاء والمعنى أن تهب لي ذلك يرثني إلخ، والمراد أنه كذلك في ظني ورجائي، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم والحسن وابن يعمر والجحدري وأبو حرب بن أبي الأسود وأبو نهيك «يرثني» بالرفع «وأرث» فعلا مضارعا من ورث وخرج ذلك على أن المعنى يرثني العلم وأرث أنا به الملك من آل يعقوب وذلك بجعل وراثة الولي الملك وراثة لزكريا عليه السّلام لأن رفعة الولد للوالد والواو لمطلق الجمع، وقال بعضهم: والواو للحال والجملة حال من أحد الضميرين، وقال صاحب اللوامح: فيه تقديم ومعناه فهب لي وليا من آل يعقوب يرثني النبوة إن مت قبله وأرثه ماله إن مات قبلي وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريبا،
ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه، وجماعة أنهم قرأوا «يرثني وأرث» برفع وأرث بزنة فاعل
على أنه فاعل يرثني على طريقة التجريد كما قال أبو الفتح، وغيره أي يرثني ولي من ذلك الولي أو به فقد جرد من الولي وليا كما تقول رأيت منه أو به أسدا، وعن الجحدري أنه قرأ «وأرث» بإمالة الواو، وقرأ مجاهد «أو يرث» تصغير وأرث وأصله ويرث بواوين الأولى فاء الكلمة الأصلية والثانية بدل ألف فاعل لأنها تقلب واوا في التصغير كضو يرب ولما وقعت الواو مضمومة قبل أخرى في أوله قلبت همزة كما تقرر في التصريف ونقل عنه أنه قال التصغير لصغره فإنه عليه السّلام لما طلبه في كبره علم ولو حدسا أنه يرثه في صغر سنه، وقيل: للمدح وليس بذاك.
هذا واستدل الشيعة بالآية على أن الأنبياء عليهم السّلام تورث عنهم أموالهم لأن الوراثة حقيقية في وراثة المال ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة، وقد ذكر الجلال السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي صالح أنهم قالوا في الآية: يرثني مالي
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلّى الله عليه وسلّم

صفحة رقم 383

قال في الآية: يرحم الله تعالى أخي زكريا ما كان عليه من ورثة
وفي رواية ما كان عليه ممن يرث ماله
، وقال بعضهم:
إن الوراثة ظاهرة في ذلك ولا يجوز هاهنا حملها على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ولا على وراثة العلم لأنه كسبي والموروث حاصل بلا كسب. ومذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهم السّلام لا يرثون مالا ولا يورثون لما صح عندهم من الأخبار. وقد جاء ذلك أيضا من طريق الشيعة
فقد روي الكليني في الكافي عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر
، وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعا باعتراف الشيعة، والوراثة في الآية محمولة على ما سمعت ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال بل هي حقيقة فيما يعم وراثة العلم والمنصب والمال وإنما صارت لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو مجاز متعارف مشهور خصوصا في استعمال القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [فاطر: ٣٢] وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ [الأعراف: ١٦٩] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ [الشورى: ١٤] وقوله تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الأعراف: ١٢٨] وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٨٠] قولهم لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة قلنا: الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط القتاد، والآثار الدالة على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد، وزعم البعض أنه لا يجوز حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه. وزعم أن كسبية الشيء تمنع من كونه موروثا ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبي في كلام الصادق، ومن ذلك أيضا ما
رواه الكليني في الكافي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: إن سليمان ورث داود وإن محمدا صلّى الله عليه وسلّم ورث سليمان عليه السّلام
فإن وراثة النبي صلّى الله عليه وسلّم سليمان عليه السّلام لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم والنبوة ونحوهما، ومما يؤيد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال أنه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم المتغير الفاني واتصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لا سيما جناب زكريا عليه السّلام فإنه كان مشهورا بكمال الانقطاع والتجرد فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف ويستدعي من حضرة الحق سبحانه وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء وهو يدل على كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا، وقالت الشيعة: إنه عليه السّلام خاف أن يصرف بنو عمه ماله بعد موته فيما لا ينبغي فطلب له الوارث المرضي لذلك، وفيه أن ذلك مما لا يخاف منه إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر فصرفه على ذمته صوابا أو خطأ ولا مؤاخذة على الميت من ذلك الصرف بل لا عتاب أيضا مع أن دفع هذا الخوف كان ميسرا له عليه السّلام بأن يصرفه قبل موته ويتصدق به كله في سبيل الله تعالى ويترك بني عمه الأشرار خائبين لسوء أحوالهم وقبح أفعالهم. وللأنبياء عليهم السّلام عند الشيعة خبر بزمن موتهم وتخيير فيه فما كان له خوف موت الفجأة أيضا فليس قصده عليه السّلام من مسألة الولد سوى إجراء أحكام الله تعالى وترويج الشريعة وبقاء النبوة في أولاده فإن ذلك موجب لتضاعف الأجر إلى حيث شاء الله تعالى من الدهر، ومن أنصف لم يتوقف في قبول ذلك والله تعالى الهادي لأقوم المسالك.
يا زَكَرِيَّا على إرادة القول أي قيل له أو قال الله تعالى يا زكريا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لكن لا بان يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات بل بواسطة الملك كما يدل عليه آية أخرى على أن يحكي عليه السّلام العبارة

صفحة رقم 384

عنه عز وجل على نهج قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] الآية وهذا جواب لندائه عليه السّلام ووعد بإجابة دعائه كما يفهمه التعبير بالبشارة دون الإعطاء أو نحوه وما في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله تعالى: فَاسْتَجَبْنا لَهُ الآية لأنه تعقيب عرفي كما في تزوج فولد له ولأن المراد بالاستجابة الوعد أيضا لأن وعد الكريم نقد، والمشهور أن هذا القول كان إثر الدعاء ولم يكن بين البشارة والولادة إلا أشهر، وقيل: إنه رزق الولد بعد أربعين سنة من دعائه، وقيل: بعد ستين. والغلام الولد الذكر، وقد يقال للأنثى: غلامة كما قال:
تهان لها الغلامة والغلام وفي تعيين اسمه عليه السّلام تأكيد للوعد وتشريف له عليه السّلام، وفي تخصيصه به حسبما يعرف عنه قوله تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي شريكا له في الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيى على ما روي عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم مزيد تشريف وتفخيم له عليه السّلام، وهذا كما قال الزمخشري شاهد على أن الأسماء النادرة التي لا يكاد الناس يستعملونها جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنحى في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم:

شنع الأسامي مسبلي أزر حمر تمس الأرض بالهدب
وقيل للصلت بن عطاء: كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك؟ فقال: كنت غريب الدار غريب الاسم خفيف الجرم شحيحا بالأشلاء فذكر مما قدمه كونه غريب الاسم وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد أن سَمِيًّا بمعنى شبيها وروي عن عطاء وابن جبير مثله أي لم نجعل له شبيها حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية،
فقد أخرج أحمد والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا عليهما السّلام لم يهم بخطيئة ولم يعملها»
والأخبار في ذلك متظافرة، وقيل: لم يكن له شبيه لذلك ولأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر.
وقيل لأنه كان كما وصف الله تعالى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين فيكون هذا إجمالا لذلك وإنما قيل للشبيه سمي لأن المتشابهين يتشاركان في الاسم، ومن هذا الإطلاق قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] لأنه الذي يقتضيه التفريع، والأظهر أنه اسم أعجمي لأنه لم تكن عادتهم التسمية بالألفاظ العربية فيكون منعه الصرف على القول المشهور في مثله للعلمية والعجمة، وقيل أنه عربي ولتلك العادة مدخل في غرابته وعلى هذا فهو منقول من الفعل كيعمر ويعيش وقد سموا بيموت وهو يموت بن المزرع بن أخت الجاحظ ووجه تسميته بذلك على القول بعربيته قيل الإشارة بأنه يعمر، وهذا في معنى التفاؤل بطول حياته، وكان في ذلك إشارة إلى أنه عليه السّلام يرث حسبما سأل زكريا عليه السّلام، وقيل: سمي بذلك لأنه حي به رحم أمه، وقيل لأنه حي بين شيخ فان وعجوز عاقر، وقيل لأنه يحيا بالحكمة والعفة، وقيل لأنه يحيا بإرشاد الخلق وهدايتهم، وقيل لأنه يستشهد والشهداء أحياء، وقيل غير ذلك، ثم لا يخفى أنه على العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بين في محله.
قالَ استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال عليه السّلام حينئذ؟ فقيل قال رَبِّ ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى إليه بواسطة الملك للمبالغة في التضرع والمناجاة والجد في التبتل إليه عز وجل، وقيل لذلك والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن علمه تعالى بما يصدر عنه متوقف على توسطه كما أن علم البشر بما يصدر عنه تعالى متوقف على ذلك في عامة الأوقات، ولا يخفى أن الاقتصار على الأول أولى أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ كلمة أَنَّى بمعنى كيف أو من أين، وكان أما تامة وأنى واللام متعلقان بها، وتقديم الجار على الفاعل لما

صفحة رقم 385

مر غير مرة أي كيف أو من أين يحدث لي غلام، ويجوز أن يتعلق اللام بمحذوف وقع حالا من غُلامٌ أي أنى يحدث كائنا لي غلام أو ناقصة واسمها ظاهر وخبرها إما أنى ولِي متعلق بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى نصب على الظرفية، وقوله تعالى وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا حال منه مؤكدة للاستبعاد إثر تأكيد، ومن للابتداء العلي، والعتى من عتي يعتو اليبس والقحول في المفصال والعظام.
وقال الراغب: هو حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداوتها، وقيل إلى رياضتها وهي الحالة المشار إليها بقول الشاعر: ومن العناء رياضة الهرم. وأصله عتوو كقعود فاستثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم انقلبت الثانية أيضا لاجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون وكسرت العين اتباعا لما بعدها أي كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها وشبابي فكيف وهي الآن عجوز وقد بلغت أنا من أجل كبر السن يبسا وقحولا أو حالة لا سبيل إلى إصلاحها وقد تقدم لك الأقوال في مقدار عمره عليه السّلام إذ ذاك. وأما عمر امرأته فقد قيل إنه كان ثماني وتسعين.
وجوز أن تكون مِنَ للتبعيض أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا، وجعلها بعضهم بيانية تجريدية وفيه بحث والجار والمجرور إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالا من عِتِيًّا وهو نصب على المفعولية وأصل المعنى متحد مع قوله تعالى في آل عمران حكاية عنه بلغني الكبر والتفاوت في المسند إليه لا يضر فإن ما بلغك من المعاني فقد بلغته نعم بين الكلامين اختلاف من حيثية أخرى لا تخفى فيحتاج اختيار كل منهما في مقام إلى نكتة فتدبر ذاك، وكذا وجه البداءة هاهنا بذكر حال امرأته عليه السّلام على عكس ما في تلك السورة.
وفي إرشاد العقل السليم لعل ذلك لما أنه قد ذكر حاله في تضاعيف دعائه وإنما المذكور هاهنا بلوغه أقصى مراتب الكبر تتمة لما ذكر قبل وأما هنا لك فلم يسبق في الدعاء ذكر حاله فلذلك قدمه على ذكر حال امرأته لما أن المسارعة إلى بيان قصور شأنه أنسب اهـ.
وقال بعضهم: يحتمل تكرر الدعاء والمحاورة واختلاف الأسلوب للتفنن مع تضمن كل ما لم يتضمنه الآخر فتأمل والله تعالى الموفق، والظاهر أنه عليه السّلام كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقرا، ولذلك ذكر الكبر ولم يذكر العقر وإنما قال عليه السّلام ما ذكر مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة آل عمران استعظاما لقدرة الله تعالى واعتدادا بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محض فضل الله تعالى ولطفه مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة ولم يكن ذلك استبعادا كذا قيل.
وقيل: هو استبعاد لكنه ليس راجعا إلى المتكلم بل هو بالنسبة إلى المبطلين، وإنما طلب عليه السّلام ما يزيل شوكة استبعادهم ويجلب ارتداعهم من سيء عادتهم، وذلك مما لا بأس به من النبي خلافا لابن المنير، نعم أورد على ذلك أن الدعاء كان خفيا عن المبطلين.
وأجيب بأنه يحتمل أنه جهر به بعد ذلك إظهارا لنعمة الله تعالى عليه وطلبا لما ذكر فتذكر، وقيل: هو استبعاد راجع إلى المتكلم حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة، وكان قد نسي عليه السّلام دعاءه وهو بعيد جدا.
وقال في الانتصاف: الظاهر والله تعالى أعلم أن زكريا عليه السّلام طلب ولدا على الجملة وليس في الآية ما يدل أنه يوجد منه وهو هرم ولا إنه من زوجته وهي عاقر ولا أنه يعاد عليهما قوتهما وشبابهما كما فعل بغيرهما أو يكون الولد من غير زوجته العاقر فاستبعد الولد منهما وهما بحالهما فاستخبر أيكون وهما كذلك فقيل له كذلك أي يكون

صفحة رقم 386

الولد وأنتما كذلك. وتعقب بأن قوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ظاهر في أنه طلب الولد وهما على حالة يستحيل عادة منهما الولد.
والظاهر عندي كونه استبعادا من حيث العادة أو هو بالنسبة إلى المبطلين وهو كما في الكشف أولى. وقرأ أكثر السبعة «عتيّا» بضم العين، وقرأ ابن مسعود بفتحها وكذا بفتح صاد صِلِيًّا [مريم: ٧٠] وأصل ذلك كما قال ابن جني ردا على قول ابن مجاهد لا أعرف لهما في العربية أصلا ما جاء من المصادر على فعيل نحو الحويل والزويل وعن ابن مسعود أيضا ومجاهد أنهما قرأ «عسيا» بضم العين وبالسين مكسورة. وحكى ذلك الداني عن ابن عباس والزمخشري عن أبي، ومجاهد وهو من عسا العود يعسو إذا يبس.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ قرأ الحسن «وهو علي هين» بالواو، وعنه أنه كسر ياء المتكلم كما في قوله النابغة:

علي لعمرو نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب
ونحو ذلك قراءة حمزة وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم: ٢٢] بكسر الياء، والكاف إما رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وضمير قالَ للرب عز وجل لا للملك المبشر لئلا يفك النظم، وذلك إشارة إلى قول زكريا عليه السّلام، والخطاب في قالَ رَبُّكَ له عليه السّلام لا لنبينا صلّى الله عليه وسلّم بدليل السابق واللاحق، وجملة هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ مفعول قالَ الثاني وجملة الأمر كذلك مع جملة قالَ رَبُّكَ إلخ مفعول قالَ الأول وإن لم يتخلل بين الجملتين عاطف كما في قوله تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود: ٤١] وقوله سبحانه وتعالى: قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا [المؤمنون: ٨٢، ٨٣] الآية وكم وكم، وجيء بالجملة الأولى تصديقا منه تعالى لزكريا عليه السّلام وبالثانية جوابا لما عسى يتوهم من أنه إذا كان ذلك في الاستبعاد بتلك المنزلة وقد صدقت فيه فأنى يتسنى فهي في نفسها استئنافية لذلك، ولا يحسن تخلل العاطف في مثل هاتين الجملتين إذا كان المحكي عنه قد تكلم بهما معا من غير عاطف ليدل على الصورة الأولى للقول بعينها، وكذلك لا يحسن إضمار قول آخر لأنه يكون استئنافا جوابا للمحكي له فلا يدل على أنه استئناف أيضا في الأول إلا بمنفصل أما لو تكلم بهما في زمانين أو بدون ذلك الترتيب فالظاهر العطف أو الاستئناف بإضمار القول.
ثم لو كان الاقتصار في جواب زكريا عليه السّلام على هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ من دون إقحام قالَ رَبُّكَ لكان مستقيما لكن إنما عدل إليه للدلالة على تحقيق الوعد وإزالة الاستبعاد بالكلية على منوال ما إذا وعد ملك بعض خواصه ما لا يجد نفسه تستأهل ذلك فأخذ يتعجب مستبعدا أن يكون من الملك بتلك المنزلة فحاول أن يحقق مراده ويزيل استبعاده فأما أن يقول لا تستبعد أنه أهون شيء على الكلام الظاهر وإما أن يقول لا تستبعد قد قلت إنه أهون شيء علي إشارة منه إلى أنه وعد سبق القول به وتحتم وأنه من جلالة القدر بحيث لا يرى في إنجازه لباغيه كائنا من كان وقعا فكيف لمن استحق منه لصدق قدمه في عبوديته إجلالا ورفعا، وهذا قول بلسان الإشارة يصدق وإن لم يكن قد سيق منه نطق به لأن المقصود أن علو المكانة وسعة القدرة وكمال الجود يقضي بذلك قيل: أولا أولا ثم إذا أراد ترشيح هذا المعنى عدل عن الحكاية قائلا: قد قال من أنت غرس نعمائه أنه أهون شيء علي ثم إذا حكى الملك القصة مع بعض خلصائه كان له أن يقول: قلت لعبدي فلان كيف وكيت قال: إني وليت قلت قال من أنت إلخ وأن يقول بدله قال سيد فلان له ويسرد الحديث فهذا وزان الآية فيما جرى لزكريا عليه السّلام وحكى لنبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل والسّلام، وقد لاح من هذا التقرير إن فوات نكتة الإقحام مانع من أن يجعل المرفوع من صلة قالَ الثاني والمجموع

صفحة رقم 387

صلة الأول، والظاهر في توجيه قراءة الحسن على هذا أن جملة هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ عطف على محذوف من نحو أفعل وأنا فاعل، ويجوز أن يقال وربما أشعر كلام الزمخشري بإيثاره أنه عطف على الجملة السابقة نظرا إلى الأصل لما مر من أن قالَ مقحم لنكتة فكأنه قيل الأمر كذلك وهو على ذلك يهون علي، وأما نصب بقال الثاني وهي الكاف التي تستعمل مقحمة في الأمر العجيب الغريب لتثبيته وذلك إشارة إلى مبهم يفسر ما بعده أعني هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وضمير قالَ للرب كما تقدم والخطاب لنبينا صلّى الله عليه وسلّم أيضا أي قال رب زكريا له قال ربك مثل ذلك القول العجيب الغريب هو علي هين على أن قالَ الثاني مع ما في صلته مقول القول الأول وإقحام القول الثاني لما سلف ولا ينصب الكاف بقال الأول وإلا لكان قالَ ثانيا تأكيدا لفظيا لئلا يقع الفصل بين المفسر والمفسر بأجنبي وهو ممتنع إذ لا ينتظم أن يقال: قال رب زكريا قال ربك ويكون الخطاب لزكريا عليه السّلام والمخاطب غيره كيف وهذا النوع من الكلام يقع فيه التشبيه مقدما لا سيما في التنزيل الجليل من نحو وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً [البقرة: ١٤٣] كذلك الله يفعل ما يشاء إلى غير ذلك، وهذا الوجه لا يتمشى في قراءة الحسن لأن المفسر لا يدخله الواو ولا يجوز حذفه حتى يجعل عطفا عليه لأن الحذف والتفسير متنافيان، وجوز على احتمال النصب أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من وعد الله تعالى إياه عليه السّلام بقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ إلخ أي قال ربه سبحانه له قال ربك مثل ذلك أي مثل ذلك القول العجيب الذي وعدته وعرفته وهو إِنَّا نُبَشِّرُكَ إلخ، وأداة التشبيه مقحمة كما مر فيكون المعنى وعد ذلك وحققه وفرغ منه فكن فارغ البال من تحصيله على أوثق بال ثم قال: هو علي هين أي قال ربك هو علي هين فيضمر القول ليتطابقا في البلاغة، ولأن قوله مثل ذلك مفرد فلا يحسن أن تقرن الجملة به وينسحب عليه ذلك القول بعينه بل إنما يضمر مثله استئنافا إيفاءا بحق التناسب. وإن شئت لم تنوه ليكون محكيا منتظما في سلك قالَ رَبُّكَ منسحبا عليه القول الأول أي قال رب زكريا له هو على هين لأن الله تعالى هو المخاطب لزكريا عليه السّلام فلا منع من جعله مقول القول الأول من غير إضمار لأن القولين- أعني قال ربك مثل ذلك هو علي هين- صادران معا محكيان على حالهما. ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى أعني الملك تعين إضمار القول لامتناع أن يكون هو علي هين من مقوله فلا ينسحب عليه الأول.
وأما على قراءة الحسن فإن جعل عطفا علي قالَ رَبُّكَ لم يحتج إلى إضمار لصحة الانسحاب وإن أريد تأكيده أيضا قدر القول لئلا تفوت البلاغة ويكون التناسب حاصلا، وجعله عطفا ما بعده قالَ الثاني من دون التقدير يفوت به رعاية التناسب لفظا فإن ما بعده مفرد والملاءمة معنى لما عرفت أن لأقول على الحقيقة، والمعنى قال ربه قد حقق الموعود وفرغ عنه فلا بد من تقديره على هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ليفيد تحقيقه أيضا، ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى تعين الإضمار لعدم الانسحاب دونه فافهم، وهذا ما حققه صاحب الكشف وقرر به عبارة الكشاف بأدنى اختصار، ثم ذكر أن خلاصة ما وجده من قول الأفاضل أن التقدير على احتمال أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الوعد قال رب زكريا له قال ربك قولا مثل قوله سبحانه وتعالى السابق عدة في الغرابة والعجب فاتجه له عليه السّلام أن يسأل ماذا قلت يا رب وهو مثله فيقول: هو علي هين أي قلت أو قال ربك. والأصل على هذا التقدير قلت قولا مثل الوعد في الغرابة فعدل إلى الالتفات أو التجريد أيا شئت تسميه لفائدته المعلومة، وليس في الإتيان بأصل القول خروج عن مقتضى الظاهر إذ لا بد منه لينتظم الكلام وذلك لأن المعنى على هذا التقدير ولا تعجب من ذلك القول وانظر إلى مثله واعجب فقد قلناه. وكذلك يتجه لنبينا صلّى الله عليه وسلّم السؤال فيجاب بأنه قال له ربه هو علي هين وصحة وقوعه جوابا عن سؤال نبينا عليه الصلاة والسّلام وهو الأظهر على هذا الوجه لأن الكلام معه، وإذ قد صح أن يجعل جوابا له جاز إضمار القول لأنه جواب له صلّى الله عليه وسلّم بما يدل على أنه خوطب به زكريا عليه السّلام أيضا وجاز أن لا يضمر لأن المخاطب لهما واحد والخطاب مع نبينا صلّى الله عليه وسلّم وعلم من ضرورة المماثلة أنه قيل لزكريا أيضا هذه المقالة ولو كان الحاكي والقائل الأول

صفحة رقم 388

روح المعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي

تحقيق

علي عبد البارى عطية

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1415
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية