ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

قوله : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً . اللغو من١ الكلام : ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله : لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً ٢. وقال مقاتل٣ : هي اليمين الكاذبة٤ وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله -تعالى- نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ٥، وقوله : وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ٦ ٧ الآية٨.
أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون٩ معناه : إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله١٠ :

وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ١١
الثاني : أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع.
الثالث : أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام١٢.
وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره.
وأما الاتصال في الأول فعسر١٣، إذ لا يعدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله -تعالى- عند قوله : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى ١٤.
قوله : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً فيه سؤالان١٥ :
السؤال الأول١٦ : أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة.
والجواب من وجهين :
الأول : قال الحسن : أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت١٧ عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال١٨ المضروبة على الأسرَّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك.
الثاني : المراد دوام الرزق، تقول : أنا عند فلان صباحاً ومساء١٩، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين.
السؤال الثاني : قال تعالى : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً ٢٠ وقال عليه السلام٢١ :" لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً " ٢٢.
والبكرة والعشيّ لا يوجدان٢٣ إلا عند وجود الصباح والمساء.
والجواب : أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها٢٤.
وقيل : إنهم يغرقون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب٢٥.
وقيل : المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق٢٦، أي : لهم رزقهم متى شاءوا.
١ في ب: في..
٢ [الغاشية: ١١]..
٣ تقدم..
٤ تفسير البغوي ٥/٣٨٣..
٥ [الفرقان: ٧٢]..
٦ من قوله تعالى: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [القصص: ٥٥]..
٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٨ انظر الكشاف ٢/٤١٥-٤١٦، والفخر الرازي ٢١/٢٣٨..
٩ في ب: كان..
١٠ كان: سقط من ب..
١١ البيت من بحر الطويل، قاله النابغة الذبياني، فلول جمع فلّ، وهو كسر في حد السيف، وسيف أفلّ: بين الفلل.
القراع والمقارعة: المضاربة بالسيوف. الكتائب: جمع كتيبة، وهي الطائفة المجتمعة من الجيش.
والشاهد فيه أن صاحب الكشاف أورده على أن الاستثناء فيه استثناء متصل، مبالغة في المدح، أي: إن كان ولا بدّ من العيب ففيهم عيب، وهو فلول سيوفهم من مضاربة الأعداء. وأورده علماء البديع شاهدا لتأكيد المدح بما يشبه الذم. وقد تقدم..

١٢ انظر الكشاف ٢/٤١٦..
١٣ في ب: وأما الاتصال الأول فعسر أعني الاتصال في الأول عسر..
١٤ [الدخان: ٥٦]..
١٥ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢١/٢٣٨..
١٦ في ب: أحدهما..
١٧ في ب: الذي كان..
١٨ الحجال: جمع حجلة مثل القبة، وحجلة العروس معروفة، وهي بيت يزين بالثياب والأسرّة والستور. اللسان (حجل)..
١٩ في ب: صباحا ومساء وبكرة وعشيا..
٢٠ [الإنسان: ١٨]..
٢١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٢ في ب: دائما..
٢٣ في ب: لا يوجد. وهو تحريف..
٢٤ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢١/٢٣٨..
٢٥ انظر البغوي ٥/٣٨٤..
٢٦ المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية