و إلا سلامًا : منقطع، أي : لكن يسمعون سلامًا، ويجوز اتصاله، على أن المراد بالسلام الدعاء بالسلامة، فإن أهل الجنة أغنياء عنه، فهو داخل في اللغو.
لا يسمعون فيها لغوًا أي : فضول كلام لا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها. وفيه تنبيه على أن اللغو ينبغي للعبد أن يجتنبه في هذه الدار ما أمكنه. وفي الحديث :" مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المرْءِ تَرَكُهُ ما لا يَعْنِيهِ " ١. وهو عَامٌّ في الكلام وغيره. إِلا سلامًا ، أي : لا يسمعون لغوًا، لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا أي : على قدرهما في الدنيا، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، بل ضوء ونور أبدًا.
قال القرطبي : ليلهم إرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، أي : ونهارهم رفع الحجب وفتح الأبواب.
قال القشيري : الآية ضرب مثل لما عهد في الدنيا لأهل اليسار، والقصد : أنهم أغنياء مياسير في كل وقت. ه. وسيأتي عند قوله : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ [ الزّخرُف : ٧١ ] كيفية أرزاقهم.
إلا من تاب ورجع إلى ما كان عليه أسلافه، من العلم النافع والعمل الصالح، والتواضع للصالح والطالح، فيرافقهم في جنة الزخارف أو المعارف، التي وعد الرحمان عباده المخصوصين بالغيب، ثم صارت عندهم شهادة، إنه كان وعده مأتيًا، لا يسمعون فيها لغوًا ؛ لأن الحضرة مقدسة عن اللغو، إلا سلامًا ؛ لسلامة صدورهم، ولهم رزقهم فيها من العلوم والأسرار والمواهب، في كل ساعة وحين، لا يرث هذه الجنة إلا من اتقى ما سوى الله، وانقطع بكليته إلى مولاه. وبالله التوفيقإن عاهدوك على الإحسان أو وعدُوا خانوا العهود ولكن بعد ما حلفوا بـل يفخـرون بأجـداد لهـم سـلفـت نِعم الجدود ولكن بئس ما خلَّفوا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي