المتأمل هذه القصة يجد هذه الآية قد اختصرت من القصة ما يفهم من سياقها ثقة في نباهة السامع، وأنة قدر على إكمال المعنى، فكأن معنى الآية : سمع الله دعاء زكريا وحيثيات طلبه، فأجابه بقوله :( يا زكريا.. " ٧ " )مريم وتوجيه الكلام إلى زكريا عليه السلام هكذا مباشرة دليل على سرعة الاستجابة لدعائه، فجاءت الإجابة مباشرة دون مقدمات.
ومثال ذلك : ما حكاه القرآن من قصة سليمان _ عليه السلام _ وبلقيس، قال سليمان :
قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين " ٣٨ " قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين " ٣٩ " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم " ٤٠ " ( سورة النمل ).
فبين قوله : قبل أن يرتد إليك طرفك.. " ٤٠ " ( سورة النمل ).
وقوله : رآه مستقرا عنده.. " ٤٠ " ( سورة النمل )كلام يقتضيه سياق القصة، كأن نقول : فأذن له فذهب وأتى بالعرش، لكن جاء الأسلوب سريعا ليتناسب مع سرعة الحدث في إحضار عرش بلقيس من مكانه. وقولة : إنا نبشرك.. " ٧ " ( سورة مريم ).
البشارة : هي الإخبار بما يسرك قبل أن يجيء ليستطيل أمد الفرح بالشيء السار، وقد يبشرك مساويك ويكذب في البشرى، وقد تأتى الظروف والأحداث مخالفة لما يظنه، فكيف بك إذا بشرك الله تعالى ؟ ساعة أن تكون البشارة من الله فاعلم إنها حق وواقع لا شك فيه. وقوله : بغلام اسمه يحيى.. " ٧ " ( سورة مريم )أي : وسماه أيضا. ونحن نعلم أن للبشر اختيارات في وضع الأسماء للمسميات، ولهم الحرية في ذلك، فواحدة تسمى ولدها ( حرنكش )هي حرة، وأخرى تسمى ابنتها الزنجية ( قمر )هي أيضا حرة.
إلا أن الناس حين يسمون يتمنون في المسمى مواصفات تسر النفس وتقر العين، فحين تسمى سعيدا تفاؤلا بأن يكون سعيدا فعلا، والاسم وضع للدلالة على المسمى، لكن، أيملك هذا المتفائل أن يأتي المسمى على وفق ما يحب ويتمنى ؟ لا، لا يملك ذلك ولا يضمنه ؛ لأن هناك قوة أعلى منه تتحكم في هذه المسألة، وقد يأتي المسمى على غير مراده.
أما إذا كان الذي سمى هو الله تعالى فلا بد أن يتحقق الاسم في المسمى، وينطبق عليه، ولا بد أن يتحقق مراده تعالى في من سماه، وقد سمى الحق تبارك وتعالى ابن زكريا يحي فلا بد أن تنطبق عليه هذه الصفة، ويحيى فعل ضده يموت، إذن : فهو سبحانه القادر على أن يحيه، لكن يحيه إلى متى ؟ وكم عام ؟ الحياة هنا والعيش يتحقق ولو بمتوسط الأعمار مثلا، فقد أحياه وتحقق فيه صفة الحياة.
ولذلك استدل أهل المعرفة من تسميته يحيى على أن ابن زكريا سيموت شهيدا ليظل حيا كما سماه الله وقد كان. وقوله : لم نجعل له من قبل سميا " ٧ " ( سورة مريم ).
السمي : اختلف العلماء في معناها فقالوا : تأتى بمعنى : نظير أو مثيل أو شبيه واما سميا يعنى : اسمه كاسمه. ومن ذلك قوله تعالى :
رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا " ٦٥ " ( سورة مريم )
فقالوا سميا هنا تحمل المعنيين : هل تعلم له نظيرا أو شبيها ؛ لأنه سبحانه وتعالى :
ليس كمثله شئ.. " ١١ " ( سورة الشورى )، ولم يكن له كفوا أحد " ٤ " ( سورة الإخلاص )ويمكن أن نقول بهذا المعنى أيضا في قصة يحيى عليه السلام، إلا أنة يقع فيه شيئا وهو : أن الله سبحانه وتعالى حينما قال في مسألة يحيى : لم نجعل له من قبل سميا " ٧ " ( سورة مريم )واعتبرناها بمعنى المثل أو النظير أو الشبيه، فهذا يعنى أنه لم يسبق يحيى واحد مثله في الصلاح والتقوى، فأين إذن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ؟ وأين إسماعيل وإسحق ؟.
فهذا المعنى وغن كان السياق يحتمله في غير هذا الموضوع إلا أنه لا يستقيم هنا ؛ لأن الله تعالى جعل من قبل يحيى من هو أفضل من يحيى، أو مثله على الأقل. أما المعنى الأخر فيكون :
هل تعلم له سميا " ٦٥ " ( سورة مريم )أي : هل هناك من تسمى باسمه تعالى ؟ وهذا هو المعنى الذي يستقيم في قصة يحيى عليه السلام ؛ لأنه أول اسم وضعه الحق سبحانه على ابن زكريا، ولم يكن أحد تسمى به من قبل، أما بعده فقد انتشر هذا الاسم، حتى قال الشاعر :
وسميته يحيى ليحيى فلم يكن لرد قضاء الله فيه سبيل
ونقف هنا على آيه من آيات الله في التسمية، حيث لم يجرؤ أحد من الكفرة والملاحدة الذين يجاهرون بإلحادهم ويعلنون إنكارهم للخالق سبحانه، لم يجرؤ أحد أن يسمى ولده ( الله )، وحرية اختيار الأسماء مكفولة، وهذا إن دل فإنما يدل على كفرهم عناد ولجج، وأنهم غير صادقين في كفرهم، ويعلمون أن الله موجود ؛ لذلك يخافون على أنفسهم وعلى أولادهم أن يسموا بهذا الاسم.
إذن كلمة ( سميا )في مسألة الألوهية تؤخذ على المعنيين، أما في مسألة يحيى فلا تحتمل إلا المعنى الثاني.
وهب أن الحق سبحانه وتعالى استعرض الأسماء السابقة فلم يجد في الماضي من سمى الله فأعلنها تحديا : هل تعلم له سميا " ٦٥ " ( سورة مريم )
فلم بعد هذا التحدي أن يسمى أحد بهذا الاسم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي