ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

قوله : قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ أي : مِنْ أين يكُون لي غلامٌ، والغلامُ : هو الإنسانُ الذكر في ابتداءِ شهوته في الجماع، ويكونُ في التلميذ، يقال : غلامُ ثعلبٍ.
وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً . أي : وامرأتي عاقرٌ، ولم يقل : عاقرةٌ ؛ لأنَّ من كان على " فاعل " من صفة المؤنَّث ممَّا لم يكن للمذكَّر، فإنَّه لا تدخل فيه الهاءُ، كامرأةٍ عاقرٍ وحائضٍ.
قال الخليلُ : هذه صفاتُ المذكَّر، وصف بها المؤنَّث، كما وصف المذكَّر بالمؤنَّث ؛ حيث قال : رجُلٌ نكَحةٌ، ورُبَعَةٌ، وغلامٌ نُفَعَةٌ.
قوله : عِتيًّا : فيه أربعةُ أوجه :
أظهرها : أنه مفعولٌ به، أي : بلغتُ عتيًّا من الكبرِ، فعلى هذا " مِنَ الكِبرِ " يجوز أن يتعلَّق ب " بَلغْتُ " ويجوز أن يتعلق بمحذوفٍ ؛ على أنه حالٌ من " عِتيًّا " لأنه في الأصلِ صفةٌ له ؛ كما قدرته لك.
الثاني : أن يكون مصدراً مؤكَّداً من معنى الفعل ؛ لأنَّ بلوغَ الكبر في معناه.
الثالث : أنَّه مصدر واقعٌ موقع الحالِ من فاعل " بَلَغْتُ " أي : عاتياً، ذا عتيٍّ.
الرابع : أنه تمييزٌ، وعلى هذه الأوجه الثلاثة " مِنْ " مزيدةٌ، ذكره أبو البقاء١، والأولُ هو الوجهُ.
والعُتُوُّ : بزنة فعولٍ، وهو مصدر " عَتَا، يَعْتُو " أي : يَبِسَ، وصلُبَ، قال الزمخشريُّ :" وهو اليُبْسُ والجساوةُ في المفاصلِ، والعظام ؛ كالعُودِ القاحل ؛ يقال : عَتَا العُودُ وجسَا، أو بلغتُ من مدارج الكِبرِ، ومراتبه ما يسمَّى عِتيًّا " يريد بقوله : أوْ بلغْتُ أنه يجوزُ أن يكون مِنْ " عَتَا يَعْتُو " أي : فسد.
والأصلُ :" عُتُووٌ " بواوين، فاستثقل واوان بعد ضمتين، فكسرتِ التاءُ ؛ تخفيفاً، فانقلبت الواو الأولى ياءً ؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت فيها الأولى، وهذا الإعلالُ جارٍ في المفرد هكذا، والجمع : نحو :" عِصِيّ " إلا أنَّ الكثير في المفرد التصحيح ؛ كقوله : وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً [ الفرقان : ٢١ ] وقد يعلُّ كهذه الآية، والكثيرُ في الجمع الإعلالُ، وقد يصحَّحُ ؛ نحو :" إنَّكُمْ لتنظرُونَ في نحوٍّ كثيرةٍ " وقالوا : فُتِيٌّ وفُتُوٌّ.
وقرأ الأخوان٢ " عتيًّا " و صِلِيّاً [ مريم : ٧٠ ] و " بِكِيّاً " [ مريم : ٥٨ ] و جِثِيّاً [ مريم : ٧٢ ] بكسر الفاء للاتباع، والباقون بالضمِّ على الأصلِ.
وقرأ عبدُ الله بن مسعودٍ بفتح الأوَّل من " عتيًّا " و " صَليًّا " جعلهما مصدرين على زنة " فعيلٍ " كالعجيجِ والرَّحيلِ.
وقرأ عبد الله وأبي بم كعبٍ " عُسِيًّا " بضم العين، وكسر السينِ المهملة، وتقدم اشتقاقُ هذه اللفظة في الأعراف، وتصريفها.
والعُتِيُّ والعُسِيُّ : واحدٌ.
يقال : عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا، وعتيًّا، فهو عاتٍ، وعَسَا يَعْسُو عُسُوًّا وعسيًّا فهو عَاسٍ، والعَاسي : هو الذي غيرُه طولُ الزمانِ إلى حال البُؤس. وليل عاتٍ : طويل، وقيل : شديدُ الظلمة.

فصل


في هذه الآية سؤالان٣ :
أحدهما : لم تعجب زكريَّا -عليه الصلاة والسلام- بقوله : أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ مع أنَّه هو الذي طلب الغلام ؟.
والسؤال الثاني : قوله : أنّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ هذا التعجُّب يدل على الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، وذلك كفر، وهو غير جائز على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ؟.
فالجوابُ عن الأول : أمَّا على قول من قال : ما طلب الولد، فالإشكال زائلٌ، وأمَّا على قول من قال : إنَّه طلب الولد، فالجوابُ أن المقصود من قوله : أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ هو البحث على أنه تعالى يجعلهما شابين، ثم يرزقهما، أو يتركهما شيخين، ويرزقهما الولد، مع الشيخوخة ؟ ويدلُّ عليه قوله تعالى : وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [ الأنبياء : ٨٩، ٩٠ ].
وما هذا الإصلاحُ إلاَّ أنَّه تعالى أعاد قُوَّة الولادة.
وذكر السديُّ في الجواب وجهاً آخر، فقال : إنَّه لمَّا سمع النداء بالبشارة جاءهُ الشيطان، فقال : إنَّ هذا الصَّوت ليس٤ من الله تعالى، بل من الشيطانِ يسخر منك، فلمَّا شكَّ زكريَّا قال :" ربّ، أنّى يكُون لي غلامٌ "، وغرض السدي من هذا أن زكريا -عليه السلام- لو علم أن المبشَّر بذلك هو الله تعالى، لما جاز له أن يقول ذلك، فارتكب هذا.
وقال بعضُ المتكلِّمين : هذا باطلٌ باتِّفاق ؛ إذ لو جوَّز الأنبياءُ في بعض ما يردُ عن الله تعالى أنَّه من الشيطان، لجوَّزوا في سائره، ولزالتِ الثقة٥ عنهم في الوحي، وعنَّا فيما يوردُونه إلينا.
ويمكنُ أن يجاب عنه : بأنَّ هذا الاحتمال قائمٌ في أوَّل الأمر، وإنَّما يزولُ بالمعجزةِ، فلعلَّ المعجزةَ لم تكُن حاصلةً في هذه الصور٦، فحصل الشَّك هنا فيه دون ما عداها.
والجوابُ عن السؤال الثاني من وجوه :
الأول : أن قوله : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى .
ليس نصًّا في كون ذلك الغلام ولداً له، بل يحتمل أن يكون زكريَّا -عليه الصلاة والسلام- راعى الأدب، ولم يقل : هذا الغلام، هل يكون ولداً لي، أم لا، بل ذكر أسباب حُصُول الولدِ في العادة ؛ حتى أنَّ تلك البشارة، إنْ كانت بالولد، فإن الله تعالى يزيلُ الإبهام، ويجعل الكلام صريحاً، فلمَّا ذكر ذلك، صرَّح الله تعالى بكون الولد منه، فكان الغرضُ من كلام زكريَّا هذا، لا شك أنه شاكًّا في قُدرة الله تعالى عليه.
الثاني : أنه ما ذكر ذلك للشك، لكنْ على وجه التعظيم لقدرته، وهذا كالرجل الذي يَرَى صاحبه قد وهب الكثير الخطير، فيقول : أنَّى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا من ملكك ! تعظيماً وتعجُّباً.
الثالث : أن من شأن من بُشِّرَ بما يتمناه ؛ أن يتولد له فرط السرور به عند أوَّل ما يرد عليه استثباتُ ذلك الكلام ؛ إما لأن شدة فرحه به توجبُ ذهوله عن مقتضيات العقل والفكر، وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام بعد أن بشرت بإسحاق قالت قَالَتْ يا ويلتا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [ هود : ٧٢ ] فأزيل تعجبها بقوله : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله [ هود : ٧٣ ]، وإما طلباً للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى، وإما مبالغةً في تأكيد التفسير.
١ ينظر: الإملاء ٢/١١١..
٢ ينظر في قراءتها: السبعة ٤٠٧، والنشر ٢/٣١٧، والحجة ٤٣٩، والإتحاف ٢/٢٣٤، والمحتسب ٢/٣٩، والحجة للقراء السبعة ٥/١٩١، ١٩٢، وإعراب القراءات ٢/١١..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٦٠..
٤ في أ: السورة ليس..
٥ في أ: المشقة..
٦ في أ: السورة..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية