لما سمع زكريا عليه السلام البشارة من ربه. واطمأن إلى حصوله أغراه ذلك في أن يوغل في معرفة الوسيلة، وكيف سيتم ذلك، وتتحقق هذه البشارة حال كونه قد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر ؟.
لكن ماذا يقصد زكريا من سؤاله، وهو يعلم تماما أن الله تعالى علم بحاله وحال زوجه ؟ الواقع أن زكريا عليه السلام لا يستنكر حدوث هذه البشرى، يستدرك على الله، وحاشاه أن يقصد ذلك، وإنما أطمعته البشرى في أن يعرف الكيفية، كما حدث في قصة موسى عليه السلام حينما كلمه ربه واختاره، وأفرده بهذه الميزة فأغراه الكلام في أن يطلب الرؤيا، فقال : رب أرني أنظر إليك.. " ١٤٣ " ( سورة الأعراف )وكما حدث في قصه إبراهيم عليه السلام لما قال لربه :
رب أرني كيف تحيي الموتى.. " ٢٦٠ " ( سورة البقرة ).
وأبو الأنبياء لا يشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ولكنة يريد أن يعرف هذه الطريقة العجيبة، فالكلام ليس في الحقيقة وجودا وعدما، إنما في الكيفية لا دخل له بالوجود.
فأخبره الحق سبحانه أن هذه المسألة لا تقال إنما تباشر عمليا، فأمره بما نعلم من هذه القصة : وهو أن يحضر أربعة من الطير بنفسه، ثم يضمهن إليه ليتأكد بنفسه من حقيقتها، ثم أمره بأن يقطعهن أجزاء، ثم يفرق هذه الأجزاء على قمم الجبال ثم بعد ذلك ترك له الخالق سبحانه أن يدعوهن بنفسه، وأن يصدر الأمر منه فتتجمع هذه القطع المبعثرة وتدب فيها الحياة من جديد، وهذا من مظاهر عظمته سبحانه وتعالى أنه لم يفعل، بل جعل من لا يستطيع ذلك يفعله، ويقدر عليه.
فإن كان البشر يعدون أثر قدرتهم على الضعفاء، فمن لا على حمل شئ يأتي بمن يقوم به، ويظل هو ضعيفا لا يقدر على شئ، أما الحق سبحانه وتعالى فيعدى قوته بنفسه إلى الضعيف فيصير قويا قادر على الفعل. فقوله : أنى يكون لي غلام.. " ٨ " ( سورة مريم )سؤال عن الكيفية، كما أن إبراهيم عليه السلام لما قال له ربه :
أو لم تؤمن.. " ٢٦٠ " ( سورة البقرة )أي : بقدرتي على إحياء الموتى، قال ( بلى )أي : نعم أومن
ولكن ليطمئن قلبي.. " ٢٦٠ " ( سورة البقرة )أي : إلى الكيفية التي يتم بها الإحياء. أو : أن زكريا عليه السلام بقوله : أنى يكون لي غلام.. " ٨ " ( سورة مريم ).
يريد أن يوثق هذه البشرى ويسجلها، كما تعد ولدك بأن تشترى له هدية فيلح عليك في هذه المسألة ليؤكد وعدك له، ويستلذ بأنه وعد محقق لا شك فيه، ثم يذكر زكريا حيثيات تعجبه من هذا الأمر فيقول : وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " ٨ " ( سورة مريم )عتيا من عتا يعنى طغى وتكبر وأفسد كثيرا، والعتو : الكفر، والعتي : هو القوى الذي لا يغالب ؛ لذلك وصف الكبر الذي هو رمز للضعف بأنه عتي ؛ لأن ضعف الشيب والشيخوخة ضعف لا يقدر أحد على مقاومته، أو دفعه أبدا، مهما احتال عليه بالأدوية والعقاقير ( والفيتامينات ).
ويبدو أن مسألة الولد هذه كانت تشغل زكريا عليه السلام ؛ وتلح عليه ؛ لأنه دعا الله كثيرا أن يرزقه الولد، ففي موضع آخر يقول : رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " ٨٩ " ( سورة الأنبياء )
فزكريا عليه السلام يريد الولد الذي يرثه وهو موروث ؛ لأن الله تعالى خير الوارثين. لكن يأتي الرد :
فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه.. " ٩٠ " ( سورة الأنبياء ).
ونلاحظ أن الله تعالى قبل لأن يقول : وأصلحنا له زوجه.. " ٩٠ " ( سورة الأنبياء ).
التي ستنجب هذا الولد، قال : ووهبنا له يحيى.. " ٩٠ " ( سورة الأنبياء )فصلاح الزوجة ليس شرطا في هذه البشرى وحدوث هذه الهبة.
وهنا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي لا يعجزها شئ، فهو سبحانه قادر على إصلاح هذه الزوجة العاقر، فالصنعة الإلهية لا تقف عند حد، كما لو تعطل عندك أحد الأجهزة مثلا فذهبت به إلى الكهربائي لإصلاحه فوجد التلف به كبيرا، فينصحك بتركه وشراء آخر جديد، فلا حيلة في إصلاحه.
لذلك أصلح الله تعالى لزكريا زوجه حتى لا نظن أن يحيى جاء بطريقة أخرى، والزوجة لا تزال على حالها.
تفسير الشعراوي
الشعراوي