ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

قلت : عِتيًّا : مصدر، من عتا يعتو، وأصله : عتوو، فاستثقل توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء، فقلبت الأولى ياء ؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قُلبت الثانية أيضّا ؛ لاجتماع الواو والياء، وسبق إحداهما بالسكون.
قال ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ أي : من أين وكيف يحدث لي غلام، وكانت امرأتي عاقرًا : عقيمة، وقد بلغتُ من الكِبَر عتيًّا : يبسًا في الأعضاء والمفاصل، ونحولاً في البدن، لِكِبَرِهِ، وكان سنُّه إذ ذاك مائة وعشرين، وامرأته ثمان وتسعين. وتقدم الخلاف فيه. وإنما قاله عليه السلام مع سبق دعائه وقوة يقينه، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في آل عمران ؛ استعظامًا لقدرة الله تعالى، وتعجيبًا منها، واعتدادًا بنعمته تعالى عليه في ذلك، بإظهار أنه من محض فضل الله وكرمه، مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة. وقيل : كان دهشًا من ثمرة الفرح، وقيل : كان ذلك منه استفهامًا عن كيفية حدوثه. وقيل : بل كان ذلك بطريق الاستبعاد، حيث كان بين الدعاء والبشارة سِتُّون سنة، وكان قد نسي دعاءه، وهو بعيد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إجابة الدعاء مشروطة بالاضطرار، قال تعالى : أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [ النَّمل : ٦٢ ] وفي الحِكَم :" ما طلَبَ لك شيءٌ مثلُ الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا اضطررت إلى مولاك، فلا محالة يجيب دعاك، لكن فيما يريد لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد. فلا تيأس ولا تستعجل وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [ البقرة : ٢١٦ ]. فإذا رأيت مولاك أجابك فيما سألته، فاجعل كلامك كله في شكره وذكره، واستفرغ أوقاتك، إلا من شهود إحسانه وبره. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير