ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

وقوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى : قال عكرمة : الرحمة. وقال غيره : السعادة، أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسُله١، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [ يونس : ٢٦ ] : وقال هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ [ الرحمن : ٦٠ ]، فكما أحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله مآلهم وثوابهم، فنجاهم من العذاب، وحَصَل٢ لهم جزيل الثواب، فقال :{ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقال شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب٣ قال : سمعت عليا يقول في قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى قال : عثمان وأصحابه.
ورواه ابن أبي حاتم أيضا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد - وليس بابن ماهك - عن محمد بن حاطب، عن علي، فذكره ولفظه : عثمان منهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ : فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مرًا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جِثيًا.
فهذا مطابق لما ذكرناه، وقال آخرون : بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزير والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ، ثم استثنى فقال : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى فيقال٤ : هم الملائكة، وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله عز وجل. وكذا قال عكرمة، والحسن، وابن جريج٥.
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى قال : نزلت في عيسى ابن مريم وعُزَير، عليهما السلام.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن مَيْسَرَة، حدثنا أبو زُهَير، حدثنا سعد بن طَرِيف، عن الأصبغ، عن عَليّ في قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى قال : كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم. إسناده ضعيف.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد : أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ، قال : عيسى، وعُزَيْر، والملائكة.
وقال الضحاك : عيسى، ومريم، والملائكة، والشمس، والقمر. وكذا روي عن سعيد بن جُبَيْر، وأبي صالح وغير واحد.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثا غريبًا جدا، فقال : حدثنا الفضل بن يعقوب الرُّخَّاني، حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سليم، عن مُغيث، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ قال : عيسى، وعُزَير، والملائكة٦.
وذكر بعضهم قصة ابن الزِّبَعْرَى ومناظرةَ المشركين، قال أبو بكر بن مَرْدُويه :
حدثنا محمد بن علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَةَ، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم - يعني : ابن أبان - عن عكرمة، عن ابن عباس قال : جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ، فقال ابن الزبعرى : قد عُبدت الشمس والقمر والملائكة، وعُزَير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا ؟ فنزلت : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا٧ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ، ثم نزلت : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه " الأحاديث المختارة ".
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا قَبِيصة بن عقبة، حدثنا سفيان - يعني : الثوري - عن الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال : لما نزلت : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ قال المشركون : فالملائكة٨، عُزَير، وعيسى يُعْبَدون من دون الله ؟ فنزلت : لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ، الآلهة التي يعبدون، وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ .
وروي عن أبي كُدَيْنَة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس مثل ذلك، وقال فنزلت : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ .
وقال [ الإمام ]٩ محمد بن إسحاق بن يسار١٠، رحمه الله، في كتاب " السيرة " : وجلس رسول الله - فيما بلغني - يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد١١ غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ إلى قوله : وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ ١٢، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبَعْرَي السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد١٣ من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى : أما والله لو وجدته لَخَصمته، فسلوا محمدًا : كل ما يُعْبَد١٤ من دون الله في جهنم مع من عَبَده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم ؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس، من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم.
فَذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :" كل مَنْ أحَبَّ أن يُعْبَدَ من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين١٥ ومن أمَرَتْهُم١٦ بعبادته. وأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ أي : عيسى وعزير ومن عُبدوا من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله. ونزل فيما يذكرون، أنهم يعبدون الملائكة، وأنهم بنات الله : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلى قوله : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : ٢٦ - ٢٩ ]، ونزل فيما ذُكر من أمر عيسى، وأنه يعبد من دون الله، وعَجَب الوليد ومن حَضَره من حُجَّته وخصومته : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ. إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ. وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا [ الزخرف : ٥٧ - ٦١ ]
أي : ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكَفى به دليلا على علم الساعة، يقول : فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [ الزخرف : ٦١ ]١٧.
وهذا الذي قاله ابن الزبعرى خطأ كبير ؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها ؛ ولهذا قال : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فكيف يورد على هذا المسيح والعزير١٨ ونحوهما، ممن١٩ له عمل صالح، ولم يَرْضَ بعبادة من عبده. وعَوّل ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن " ما " لما لا يعقل عند العرب.
وقد أسلم عبد الله بن الزبعرى بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين. وكان يهاجي المسلمين أولا ثم قال معتذرًا :

يا رَسُولَ المليك، إنّ لساني رَاتقٌ مَا فتَقْتُ إذْ أنَا بُورُ
إذْ أجَاري الشَّيطَانَ في سَنَن الغَي وَمَنْ مَالَ مَيْلَه مَثْبُور٢٠


١ - في ت :"ورسوله"..
٢ - في ت :"وجعل"..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية