قوله تعالى : أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً استعظام لكفرهم، وهو استفهام إنكار وتوبيخ١. قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إما من جهة العقل وإما من جهة النقل، واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل التوحيد أولاً، وقرر الأصل، الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم. قوله : هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ العامة على إضافة «ذِكْرُ » إلى «مَنْ » أضاف المصدر إلى مفعوله كقوله تعالى «بِسُؤَالِ نَعْجَتِك »٢. وقرئ «ذِكْرٌ » بالتنوين فيهما و «مَنْ » مفتوحة الميم٣. نوّن المصدر ونصب به المفعول ( كقوله تعالى )٤ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ٥. وقرأ يحيى بن يعمر «ذِكْرٌ » بتنوينهما٦ و «مِنْ » بكسر الميم٧، وفيه تأويلان :
أحدهما : أن ثم موصوفاً محذوفاً قامت صفته وهي الظرف مقامه، والتقدير : هذا ذكر من كتاب معي ومن كتاب قبلي٨.
والثاني : أن «مَعِيَ » بمعنى عندي٩. ودخول «من » على «مع » في الجملة نادر، لأنها ظرف لا يتصرف١٠.
وقد ضعف أبو حاتم١١ هذه القراءة، ولم ير لدخول «من » على «مع » وجهاً١٢.
ووجهه بعضهم بأنه اسم هو ظرف نحو ( قبل وبعد ) فكما تدخل ( من ) على أخواته كذلك تدخل عليه١٣. وقرأ طلحة :«ذِكْرٌ مَعِي وذِكْرٌ قَبْلِي » بتنوينهما دون ( من ) فيهما١٤. وقرأ طائفة «ذِكْرُ مَنْ » بالإضافة ل «من » كالعامة وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بتنوينه وكسر ميم١٥ «من »١٦ ووجهها١٧ واضح مما تقدم١٨.
فصل
قال ابن عباس «هذا ذكر من معي » أي : هو الكتاب المنزل على من معي، «وهذا ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي »١٩ أي : الكتاب الذي نزل على من تقدمني من الأنبياء وهذه التوراة والإنجيل والزبور والصحف. وليس في شيء منها أني أذنت بأن تتخذوا إلهاً من دوني بل ليس فيها إلا أنني أنا الله لا إله إلا أنا٢٠ كما قال بعد هذا : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن٢١ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله٢٢ إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ٢٣. وهذا اختيار القفال والزجاج٢٤.
وقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي : معناه : القرآن ذكر من معي فيه خبر من معي على ديني، ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وذكر خبر من قبلي من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة٢٥. وقال القفال : المعنى : قل لهم : هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل على أحوال لمن معي من المخالفين والموافقين، وعلى بيان أحوال من قبلي من المخالفين والموافقين، فاختاروا لأنفسكم، فكأن الغرض منه التهديد٢٦. ثم قال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق لما طالبهم بالدلالة على ما ادعوه، وبين أنه لا دليل لهم البتة لا من جهة العقل ولا من جهة السمع، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم أصل الشر والفساد وهو عدم العلم والإعراض عن استماع الحق٢٧.
العامة على نصب «الحَقَّ » وفيه وجهان :
أظهرهما : أنه مفعول به بالفعل قبله٢٨.
والثاني : أنه مصدر مؤكد. قال الزمخشري : ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على التوكيد لمضمون الجملة لسابقة كما تقول : هذا عبد الله الحق لا الباطل٢٩ فأكد انتقاء العلم. وقرأ الحسن وابن محيصن وحميد برفع وحميد برفع «الحَقُّ »٣٠ وفيه وجهان :
أحدهما : أنه خبر لمبتدأ مضمر٣١.
والثاني : أنه خبر لمبتدأ مضمر٣٢.
قال الزمخشري «وقرئ » الحَقُّ «بالرفع على توسط التوكيد بين السبب والمسبب والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل٣٣.
والإضراب هنا للانتقال من غرض إلى غرض، فإنه لما ذكر دليل التوحيد أولا، وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالتثنية أخذ يطالبهم بدليل شبهتهم..
٢ من قوله تعالى: قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه [من سورة ص: ٤٢] فهو مصدر مضاف إلى المفعول به. البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣ البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٥ [البلد: ١٤، ١٥] هذا على مذهب البصريين في إعمال المصدر المنون، وأنكره الكوفيون، وقالوا: إن وقع بعده مرفوع أو منصوب فبإضمار فعل يفسره المصدر. انظر إعراب ثلاثين سورة من القرآن. (٩١)، البحر المحيط ٦/٣٠٦، الهمع ٢/٩٣..
٦ في الأصل: بتنوينها. وهو تحريف..
٧ المختصر: (٩١)، المحتسب ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٨ انظرالتبيان ٢/٩١٥..
٩ انظر المحتسب ٢/٦١/ البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٠ من الظروف التي لا تتصرف (مع)، وهي اسم لمكان الاجتماع أو وقته تقول: زيد مع عمرو، وجئت مع العصر، وهي اسم معرب ملازم للإضافة لا ينفك عنها إلا مستعملا حالا بمعنى جميع كقول الشاعر:
| بكت عيني اليسرى فلما زجرتها | عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا |
| وريشي منكم وهواي معكم | وإن كانت زيارتكم لماما |
١١ هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم أبو حاتم السجستاني، كان إماما في علوم القرآن واللغة والشعر قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وروى عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي وغيرهم، وعنه ابن زيد دريد وغيره، صنف إعراب القرآن، لحن العامة. القراءات، الوحوش وغير ذلك مات سنة ٢٥٥ هـ بغية الوعاة ١/٦٠٦-٧٠٧..
١٢ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٣ هذا التوجيه لأبي حيان، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٤ المختصر (٩١)، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٥ ميم: سقط من ب..
١٦ البحر المحيط ٦/٣٠٦..
١٧ في ب: ثم من وجهها. وهو تحريف..
١٨ من توجيه قراءة يحيى بن يعمر..
١٩ في ب: قبل وهو تحريف..
٢٠ قال تعالى: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه: ١٤]..
٢١ من: سقط من ب..
٢٢ أنه لا إله: سقط من ب..
٢٣ [الأنبياء: ٢٥]..
٢٤ انظر معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٨٩، الفخر الرازي ٢٢/١٥٨..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٥٨..
٢٦ المرجع السابق..
٢٧ المرجع السابق..
٢٨ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٣، البيان ٢/١٦٠، التبيان ٢/٩١٥، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٢٩ الكشاف ٣/٨..
٣٠ المختصر (٩١). والمحتسب: ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣١ قاله صاحب اللوامح. انظر البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣٢ والتقدير: هو الحق أو هذا الحق.
انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٨٣، المحتسب ٢/٦١، البحر المحيط ٦/٣٠٦..
٣٣ الكشاف ٣/٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود