٤ أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها : قيل إنها بمعنى انتقاص أرض الكفر وأهلها بانتصار رسول الله، وقيل إنها بمعنى موت الناس وخراب البلاد حقبة بعد حقبة مطلقا، وقيل إنها تذكير بما كان من إهلاك الله للأمم السابقة التي كفرت به وتدمير بلادها. والقول الأخير هو الأوجه عندنا لاتساقه مع روح الآيات وفحواها.
في الآيات :
١- أمر للنبي بسؤال الكفار منددا مقرعا عمن يستطيع أن يحفظهم من عذاب الله إذا باغتهم، وعما إذا كانت آلهتهم التي يشركونها معه تستطيع أن تحميهم في حين أنها ليست مستطيعة أن تحمي نفسها، وليس لها من الله صاحب ولا مجير.
٢- وتعنيف للكفار على إعراضهم عن تدبر الأمور والاتعاظ بآيات القرآن.
٣- وإشارة إلى ما داخلهم من غرور بسبب ما نالوه هم وآباؤهم من الجاه والمال فظنوا أنهم أصبحوا في أمان، وسؤال تنديدي عما إذا كانوا لم يروا ما يفعله الله بالكفار وبلادهم ؛ حيث يهلكهم ويدمر بلادهم، وعما إذا كان يصح لمن يرى ذلك أن يغتر ويأمن ويظن أنه يعجز الله ويفلت منه ويغلبه.
٤- وأمر للنبي بأن يقول للكفار : إنما هو نذير لهم ليذكرهم بالقرآن الموحى إليه من الله ؛ حيث يكون بذلك قد قام بواجبه ؛ لأنه غير مكلف بإقناع من قسا قلبه واشتد عناده وأصبح كالأصم الذي لا يسمع النداء والنذر.
٥- وإنذار للكفار بسوء المصير، فلسوف يلقون عذاب الله، ولسوف يشعرون بالندم لأول مس لأيسر هذا العذاب، فيأخذون في الندب والعويل ويعترفون بما كان منهم من إثم وبغي وانحراف ؛ حيث لا ينفع الندم ولا يفيد الاعتراف والعويل. ولسوف يزن الله أعمال الناس بموازينه العادلة يوم القيامة. ويوفي كلا استحقاقه دون ما ظلم ولا إجحاف، حتى لو كان مثقال حبة من خردل من خير وشر حوسب صاحبها عليها حسابا عدلا وكفى الله حسيبا فهو المحيط بكل شيء.
والآيات متصلة بسابقاتها سياقا وموضوعا كما هو ظاهر، وهي قوية نافذة استهدفت التذكير والموعظة وإثارة الخوف والارعواء في الكفار، وتنبيههم إلى ما هم فيه من ضلال وما في اغترارهم بقوتهم وارتكانهم على شركائهم من سخف وباطل.
ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن ابن عباس وعلماء التابعين لمدى جملة أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ١ من ذلك أنها بسبيل الإثارة إلى ما ينقص من بلاد الشرك والكفر بفتحها للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بعده. ومنها أنها بسبيل التذكير بموت الناس جيلا بعد جيل. ومنها أنها بمعنى ذهاب خيارها وفقهائها أو بركتها. ومنها أنها بمعنى ما يطرأ على البلاد من خراب ودمار.
ويتبادر لنا أن كل هذه الأقوال لا تتسق مع مقام الجملة وظرف نزولها، وأن المتسق مع ذلك هو ما ذكرناه في شرحها بقصد لفت نظر الكفار الذين هم موضوع السياق إلى ما كان يوقعه الله من تدمير وتخريب وإهلاك للأقوام الذين وقفوا من أنبيائهم موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم وبلادهم على سبيل الإنذار والتحذير. وهي من باب آية سورة طه هذه : أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ١٢٨ .
التفسير الحديث
دروزة