يقول تعالى مخبراً عن المشركين إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال : أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونعّموا. وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء؛ ثم قال واعظاً لهم : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ القرى وَصَرَّفْنَا الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأحقاف : ٢٧ ]، وقال الحسن البصري يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر. والمعنى : أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه؟ وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين؟ ولهذا قال : أَفَهُمُ الغالبون يعني بل هم المغلوبون الأخسرون الأرذلون، وقوله : قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي أي إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلاّ عما أوحاه الله إليَّ ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال : وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء إِذَا مَا يُنذَرُونَ ، وقوله : وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ، أي ولئن مسَّ هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله، ليعترفن بذنوبهم وأنهم كانوا ظالمين أنفسهم في الدنيا، وقوله : وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً أي ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال المرزونة فيه، وقوله : فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ، كما قال تعالى : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : ٤٩ ]، وقال : إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [ النساء : ٤٠ ]، وقال لقمان : يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ [ لقمان : ١٦ ].
وقال رسول الله ﷺ :« كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم »، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله ﷺ :« إن الله عزَّ وجلَّ يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول : أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال : لا يا رب، قال : أفلك عذر أو حسنة؟ قال : فبهت الرجل، فيقول : يا رب، فيقول : بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول : أحضروه، فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول : إنك لا تظلم، قال : فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال : ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم »
، وقال الإمام أحمد، عن عائشة، « أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال : يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ :» يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك «، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ :» ما له لا يقرأ كتاب الله وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ فقال الرجل : يا رسول الله ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء - يعني عبيدة - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم «.
صفحة رقم 1640تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي