ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ

فجعلهم جُذاذًا أي : قطعًا، جمع جذيذ. وفيه لغتان : الكسر، كخفيف وخِفاف، والضم ؛ كحطيم وحُطام. رُوي أنها كانت سبعين صنمًا مصطفة. وثَمَّ صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسر الكل بفأس كان بيده، ولم يُبق إلا الكبير، علّق الفأس في عنقه، وذلك قوله تعالى : إِلا كبيرًا لهم أي : للأصنام لعلهم إِليه أي : إلى إبراهيم عليه السلام يرجعون ؛ فيحاجهم بما سيأتي فيغلبهم، أو إلى دينه ؛ إذا قامت الحجة عليهم. وقيل : إلى الكبير يسألونه عن الكاسر ؛ لأن من شأن الكبير أن يرجع إليه في الملمات. وقيل : إلى الله تعالى وتوحيده، عند تحققهم بعجز آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من أراد أن يكون إبراهيميًا حنيفيًا فليكسر أصنام نفسه، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية، حتى تنقلب حقوقًا ربانية، فحينئذ يريه الحق ملكوتَ السماواتِ والأرض، ويكون من الموقنين، وأمُّ الشهوات : حب الدنيا، ورأسها : حب الرئاسة والجاه، وأكبر الأصنام : وجودك الحسي، فلا حجاب أعظم منه، ولذلك قيل :
وُجودُكَ ذَنْبٌ لاَ يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ ****...
فإن غبتَ عنه، وكسرته، غابت عنك جميعُ العوالم الحسية، وشهدت أسرار المعاني القدسية، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضي الله عنه بقوله :

بَدَا لَكَ سِرٌّ طَالَ عَنْكَ اكْتتَامُهُ وَلاَحَ صَبَاحُ كُنْتَ أنْتَ ظَلاَمُهُ
فَأنْتَ حِجَابُ القَلْبِ عَنْ سِرِّ غَيبهِ وَلَوْلاَكَ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ خِتَامُهُ
فَإنْ غِبْتَ عَنْهُ حَلَّ فِيهِ وَطَنَّبَتْ عَلَى مَوْكبِ الكَشْفِ المصُونِ خِيَامُهُ
وَجَاء حَدِيثٌ لا يُمَلُّ سَمَاعُهُ شَهِيٌّ إليْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ
إذَا سَمِعَتْهُ النَّفْسُ طَابَ نَعِيمُهَا وَزَالَ عَنِ القَلْبِ المُعَنَّى غَرامُهُ
فالغيبة عن وجود العبد فناء، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى : إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يَرجعون أي : إلا كبير الأصنام، وهو وجودك الوهمي، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية، فإنَّ هذا اصطلام، بل ينبغي ملاحظته، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء، والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير