ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ

والفاء في قوله : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً فصيحة، أي فولوا، فجعلهم جذاذاً، الجذّ : القطع والكسر، يقال : جذذت الشيء قطعته وكسرته، والواحد : جذاذة، والجذاذ ما كسر منه. قاله الجوهري. قال الكسائي : ويقال لحجارة الذهب : الجذاذ ؛ لأنها تكسر. قرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن :«جذاذاً » بكسر الجيم، أي كسراً وقطعاً، جمع جذيذ، وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف، وظريف وظراف. قال الشاعر :

جذذ الأصنام في محرابها ذاك في الله العليّ المقتدر
وقرأ الباقون بالضم، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، أي الحطام والرقاق، فعال بمعنى مفعول، وهذا هو الكيد الذي وعدهم به. وقرأ ابن عباس وأبو السماك «جذاذاً » بفتح الجيم إِلاَّ كَبِيراً لهُمْ أي للأصنام لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ أي إلى إبراهيم يَرْجِعُونَ فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم ؛ وقيل : لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه عن الكاسر، لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبراً، فيعلمون حينئذٍ أنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضرراً، ولا تعلم بخير ولا شرّ، ولا تخبر عن الذي ينوبها ؛ من الأمر، وقيل : لعلهم إلى الله يرجعون، وهو بعيد جدّاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مرّوا عليه، فقالوا : يا إبراهيم ألا تخرج معنا ؟ قال : إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال : تالله لأَكِيدَنَّ أصنامكم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فسمعه ناس منهم. فلما خرجوا انطلق إلى أهله، فأخذ طعاماً ثم انطلق إلى آلهتهم فقرّبه إليهم، فقال : ألا تأكلون ؟ فكسرها إلا كبيرهم، ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم، فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا، فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الذي كسر به الأصنام، قالوا : من فعل هذا بآلهتنا ؟ فقال الذين سمعوا إبراهيم يقول : تالله * لأكِيدَنَّ أصنامكم ، سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ فجادلهم عند ذلك إبراهيم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : جُذَاذاً قال : حطاماً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : فتاتاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا قال : عظيم آلهتهم. وأخرج أبو داود والترمذي [ وابن المنذر ] وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهنّ في الله : قوله : إِنّي سَقِيمٌ ولم يكن سقيماً، وقوله لسارة : أختي، وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ). وهذا الحديث هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بأطول من هذا. وقد روى نحو هذا أبو يعلى من حديث أبي سعيد. وأخرح ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما جمع لإبراهيم ما جمع، وألقي في النار جعل خازن المطر يقول : متى أومر بالمطر فأرسله ؟ فكان أمر الله أسرع، قال الله : كُونِي بَرْداً وسلاما فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت. وأخرج أحمد وابن ماجه وابن حبان وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني عن عائشة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم ) ( فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ). وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر عن ابن عمر، قال : أوّل كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : ١٧٣ ]. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله : قُلْنَا يا نار كُونِي قال : كان جبريل هو الذي ناداها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير عن معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال : جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ليلقى في النار، فقال : يا إبراهيم، ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن كعب قال : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو قال : أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فكان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال : ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية