القرآن ذكرا مباركا، أي هو ذكر لمن آمن به مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير أَفَأَنْتُمْ يا أهل مكة لَهُ مُنْكِرُونَ أي جاحدون. قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ أي صلاحه وهداه مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى وهارون، وقيل من قبل البلوغ وهو حين خرج من السرب وهو صغير وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ أي إنه من أهل الهداية والنبوة إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ يعني الصور والأصنام الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ أي مقيمون على عبادتها قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ أي فاقتدينا بهم قالَ يعني إبراهيم لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي في خطأ بين بعبادتكم إياها قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أي بالصدق أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ أي خلقهن وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ أي على أنه الإله الذي يستحق العبادة، وقيل شاهد على أنه خالق السموات والأرض وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ أي لأمكرن بها بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ أي منطلقين إلى عيدكم، قيل إنما قال إبراهيم هذا القول سرا في نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه فأفشاه عليه، وهو القائل إنا سمعنا فتى يذكرهم، وقيل كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم رجعوا إلى منازلهم فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، فنادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم، ومستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه صنم أصغر منه والأصنام جنبها إلى جنب بعض كل صنم الذي يليه أصغر منه وهكذا إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وقد بركت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء «ألا تأكلون» فلما لم يجيبوه قال «ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين» وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم العظيم، علق الفأس في عنقه، وقيل في يده ثم خرج فذلك قوله تعالى.
[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥٨ الى ٦٨]
فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢)
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧)
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)
فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً أي كسرا وقطعا إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ أي تركه ولم يكسره ووضع الفأس في عنقه، ثم خرج وقيل ربطه على يده وكانت اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من نحاس ورصاص وحجر وخشب وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان وقوله لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قيل معناه يرجعون إلى إبراهيم وإلى دينه وما يدعوهم إليه، إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها، وقيل معناه لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه ما لهؤلاء تكسروا وأنت صحيح والفأس في عنقك، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم مكسرة قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ
أي في تكسيرها واجترائه عليها قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ أي يسبهم ويعيبهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ أي هو الذي نظن أنه صنع هذا فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أي جيئوا به ظاهرا بمرأى الناس وإنما قاله نمرود لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ أي عليه بأنه الذي فعل ذلك كرهوا أن يأخذوه بغير بينة وقيل معناه لعلهم يحضرون عذابه وما يصنع به فلما أتوا به قالُوا له أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ يعني إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا غضب أن تعبدون معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن وأراد إبراهيم بذلك إقامة الحجة عليهم فذلك قوله فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أي حتى يخبروا بمن فعل ذلك بهم، وقيل: معناه إن قدروا على النطق قدروا على الفعل فأراهم عجزهم عن النطق وفي ضمنه أنا فعلت ذلك (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: هذه أختي» لفظ الترمذي قيل في قوله إني سقيم أي: سأسقم وقيل: سقيم القلب مغتم بضلالتكم.
وأما قوله بل فعله كبيرهم هذا فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ينطق فهو على طريق التبكيت لقومه وقوله لسارة: هذه أختي، أي في الدين والإيمان قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فكل هذه الألفاظ صدق في نفسها ليس فيها كذب. فإن قلت: قد سماها النبي صلّى الله عليه وسلّم كذبات بقوله: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وقال في حديث الشفاعة ويذكر كذباته. قلت: معناه أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها بمؤاخذته بها قال البغوي: وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم والأولى هو الأول للحديث، ويجوز أن يكون الله أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال:
أيتها العير إنكم لسارقون ولم يكونوا سرقوا قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا القول مرغوب عنه، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذب لمصلحة ويأذن الله فيه فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبر الأنبياء عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع ويطرق التهمة إلى كلها، والحديث محمول على المعاريض، فإنه فيها مندوحة عن الكذب.
وقوله: فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ يعني تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فَقالُوا ما نراه إلا كما قال إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ يعني بعبادتكم ما لا يتكلم وقيل معناه أنتم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إياه، وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ قال أهل التفسيسر أجرى الله الحق على ألسنتهم في القول الأول وهو إقرارهم على أنفسهم بالظلم ثم أدركتهم الشقاوة فرجعوا إلى حالهم الأولى وهو قوله: ثم نكسوا على رؤوسهم أي ردوا إلى الكفر وقالوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ يعني فكيف نسألهم، فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليهم قالَ لهم أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً يعني إن عبدتموه وَلا يَضُرُّكُمْ يعني إن تركتم عبادته أُفٍّ لَكُمْ يعني تبا لكم وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ والمعنى أنه حقرهم وحقر معبودهم أَفَلا تَعْقِلُونَ يعني أليس لكم عقل تعقلون به أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ يعني أنكم لا تنصرونها إلا بتحريق إبراهيم لأنه يعيبها ويطعن فيها إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يعني ناصرين آلهتكم. قال ابن عمر: الذي قال هذا رجل من الأكراد قيل اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل: قاله نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن نوح.
ذكر القصة في ذلك
فلما اجتمع نمرود وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى ثم
لباب التأويل في معاني التنزيل
أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي