ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

فصل١


قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قوله قُلْنَا يَا نَارُ المعنى : أنه سبحانه وتعالى جعل النار برداً وسلاماً لا أنَّ هناك كلاماً٢ كقوله : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ٣ أي : يكونه. واحتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه.
والأكثرون على انه وجد ذلك القول، ثم هؤلاء قولان :
أحدهما : قال السُّديِّ : القائل هو جبريل.
والثاني : قول الأكثرين إنَّ القائل هو الله تعالى، وهو الأقرب الأليق بالظاهر. وقوله : النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة.
فالجواب : لِمَ لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.

فصل٤


اختلفوا في كيفية برد النار. فقيل : إن الله تعالى أزال ما فيها من الحرارة والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق، والله على كل شيء قدير.
وقيل : إنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة٥ المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وقيل : إنه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه.
قال المحققون : والأول أولى، لأنَّ ظاهر قوله : يا نار كُونِي بَرْداً أي نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها. فإن قيل : النار إن بقيت كما كانت، والحرارة جزء من مسمى النار، وامتنع كون النار باردة، فإذن يجب أن يقال : المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجاء مسمى النار، وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى. فالجواب : أن المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفي الذي ذكرتم لا يبقى ذلك، فكان مجازنا أولى٦.

فصل٧


معنى كون النار سلاماً على إبراهيم : أنَّ البرد إذا أفرط٨ أهلك كالحر فلا بُدّ من الاعتدال، وهو من وجوه :
الأول : أن يقدر الله بردها بالمقدار الذي لا يؤثر.
والثاني : أنَّ بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد.
والثالث : أنه تعالى جعل في جسمه مزيدَ حرٍّ فانتفع بذلك البرد وَالتَذَّ بهِ٩.

فصل١٠


روي أنّ كلّ النيران في ذلك الوقت زالت وصارت برداً، ويؤيد ذلك أنَّ النار اسم للماهية، فر بُدّ وأنْ يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية وقيل : بل اختصت بتلك النار، لأنّ الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار، وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها، والمراد خلاص إبراهيم لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق.
فإن قيل : أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل «وَسَلاَماً » لأتى البرد عليه. قال ابن الخطيب : ذلك بعيد، لأنَّ برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى١١ فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال : كان البرد يعظم لولا قوله :«سَلاَماً »١٢.
١ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٨-١٨٩..
٢ في النسختين كلام. والصواب ما أثبته..
٣ من قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: ٨٢]..
٤ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
٥ في ب: الحديد..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
٧ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
٨ في الأصل: فرط..
٩ في الأصل: وانتفع به..
١٠ هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٨٩..
١١ تعالى: سقط من الأصل..
١٢ الفخر الرازي: ٢٢/١٨٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية