ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، ذكر في الأولين الدية والكفارة جميعًا، ثم خص الثالثة بذكر الكفارة دون الدية؛ فدل التخصيص له بأحدهما على أن ليس عليه الآخر؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يذكر في الأول الدية والكفارة، ولا يذكر في الآخرين، فيكون ما ذكر في الأول غير مذكور في الآخرين، أو لا يذكر ذلك كله في الكل، فإذا لم يفعل هكذا، ولكنه ذكر كل الواجب في الاثنين على الإبلاغ، وترك في الواحد أحدهما وذكر الآخر؛ فدل تخصيص الثالث بأحد الحكمين على أن ليس عليه الآخر.
ثم استدلوا بهذه الآية على جواز العمل والقضاء باجتهاد الرأي، فمنهم من استدل بإصابة المجتهد فيما يجتهد، وإن لم يصب هو الحكم الذي هو حكم عند اللَّه فيه حقيقة، وهو قول من يقول: كل مجتهد مصيب فيما عليه من الاجتهاد في تلك الحادثة، وهو قول أبي يوسف ومُحَمَّد رحمهما اللَّه.
ومنهم من يستدل به بخطأ أحد المجتهدين وعذره في خطئه، فيذهب إلى أن المقصود مما كلف من الحكم في ذلك واحد لا حكمين مختلفين، فإذا كان المقصود مما كلف من الحكم فيه واحد؛ فلا يجوز أن يحكم اثنان في شيء واحد بحكمين مختلفين والمقصود فيه واحد، فيكونان جميعًا مصيبين، خص أحدهما بالتفهيم بقوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (٧٩) فلو كانا جميعًا مصيبين كانا جميعًا مفهمين، فإذا أخبر أنه فهم سليمان ولم يفهم الآخر، دل أن المصيب هو المفهم منهما، وهو قول أبي حنيفة وبشر وغيرهما.
ومن استدل بإصابته يستدل بقوله: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) أخبر أنه آتاهما حكما وعلما؛ فدل ذلك على أنه لم يكق عليهما غير ما فعلا وحكما فيه، وإن لم يصيبا الحكم الذي هو حكم حقيقة عند اللَّه.
ثم ذكر في الآية: أنهما يحكمان في الحرث، ولم يذكر أنهما حكما بالضمان والبراءة عن الضمان وأى شيء كان حكمهما؛ فدل ترك بيان ما حكما فيه على أن ليس علينا ذلك الحكم؛ إذ بين لنا ما علينا العمل فيه وهو العمل بالاجتهاد؛ حيث قال: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، ولم يبين لنا الحكم الذي حكما فيه، فدل بيان أحدهما وترك بيان الآخر على أن ليس علينا الذي ترك ذكره وبيانه، إلا أن أهل التأويل حملوا حكمهما على الضمان والبراءة، وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: روي: أن ناقة لرجل هاربة دخلت حائط رجل فأفسدت ما فيه، فكلم رسول اللَّه فيها، فقضى أن حفظ الحوائط

صفحة رقم 363

بالنهار على أهلها، وأن حفظ المواشي بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ما شيتهم بالليل.
وروي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَا أَصَابَتِ الماشيةُ بالليلِ فعَلَى أهلِهَا، ومَا أصَابَتْ بالنهارِ فليسَ على أهلِهَا منه شَيء "، لكن الخبر إنما جاء في المدينة، وفي المدينة إنما

صفحة رقم 364

ترعى الماشية في السكك؛ إذ ليس لها مراعٍ، ونحن نقول: إن من أرسل ماشية في مكان لا مرعى لها إلا كرم إنسان أو حائط فأفسدته، فالواجب عليه الضمان: ضمان ما أفسدت، وهو كمن يرسل الماء في ملكه في مكان لا يقر فيه، فتعدى إلى ملك جاره فأفسده - فعليه ضمان ما أفسده منه.
ومن الناس من يجعل الخبر منسوخًا بما جاء: (جرح العجماء جبار)، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، وإنَّمَا يكون جرحها جبارا إذا تعدت هي من غير إرسال صاحبها، فأما إذا كان بصنع صاحبها فعليه الضمان، واللَّه أعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (نَفَشَتْ) أي: رعت ليلا، يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش وأنفاش واحدها: نافش، وسرحت وسربت بالنهار.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ)، يقال: أنفشنا الغنم: إذا أثرناها في الليل فرعت، وهو النفش ونفشت، أي: انتشرت بغير علم أهلها، ونفشت تنفش نفشًا فهي نافشة.
قال أبو عبيدة: النفش بالليل: أن تدخل في زرع فتأكله، أو رعت فتأكل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ).
ذكر التسبيح هنا في الجبال ولم يذكر في الطير، ولكن ذكر في آية أخرى حيث قال: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ): أي: يسبح له.
ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة، لكنه لو كان تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء، وقد ذكر يسبحن مع داود؛ ليعلم أن اللَّه جعل لهذه الأشياء تسبيحًا يسبحن اللَّه ويذكرونه، كذلك ما روي في الأخبار أن الطعام يسبح في كف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وروي أنه أخذ حجرًا فسبح في يده، وأنه أخذ كذا فسلم عليه، وأمثال هذا كثير، وذلك كله آية لرسل اللَّه على رسالتهم.

صفحة رقم 365

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية