( ففهمناها( الضمير للحكومة أو الفتوى ( سليمان( أي ألهمنا ما كان مرضيا لنا في الحكومة حذف ها هنا جملا وهو فحكم سليمان كما فهمنا ونقض داود القرآن وكان يأمر بدوا به فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يديه " قلت : المراد بالقرآن الزبور قال البغوي قاله ابن عباس وقتادة ومن هاهنا يظهر أن الحاكم إذا كان مجتهدا وتبدل رأيه قبل إمضاء حكمه كما فعل داود قال البغوي قال ابن عباس وقتادة والزهري أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب الزرع والآخر صاحب غنم فقال صاحب الزرع إن هذا انفلت غنم ليلا فوقعت في حرثي فأفسدته فلم تبق منه شيئا فأطاه داود رقاب الغنم بالحرث فخرجا فمرا على سليمان فقال كيف قضى بينكما ؟. فاخبراه فقال سليمان لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا، وروى أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال : تقضي ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق الفرقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال : تقضي ويروى أنه قال بحق النبوة وا ؟لأبوة إلا أخبرتني بالذي أرفق بالفرقين ما هي ؟ قال أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئة يوم أكل دفع إلى أهله حرثه وغلى صاحب الغنم إنهم فقال داود القضاءؤ ما قضيت وحكم بذلك، وقيل : إن سليمان يوم حكم كان ابن أحد عشر سنة وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس نحو ما ذكر البغوي في القصة، قال البيضاوي والأول يعني فتوى داود نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي يفرم الحيلولة للعبد المغضوب إذ أبق قلت : غير أن أبا حنيفة يقول في العبد الجاني أن مالكه بالخيار إن شاء دفع العبد وإن شاء فدى للجناية قال الجصاص إنما ضمنوها لأنهم أرسلوها وقيل هذا الحكم نسخ في الإسلام والحكم في الإسلام عند مالك والشافعي واحمد عن أتلفته المواشي المنفلتة ليلا فعلى صاحب الماشية ضمانه يعني قيمة ما أتلفته قلت : لعل قيمة الزرع التي أفسدتها الغنم في عهد داود بلغت قيمة الزرع حتى أمر داود بدفعها والله أعلم وأما ما أفسدته الماشية المنفلتة بالنهار فلا ضمان فيما أتلفته المواشي المنفلتة ليلا كان نهارا لقوله صلى الله عليه وسلم " العجماء جرحها جبار " ١ رواه الشيخان في الصحيحين وأحمد وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة قال صاحب الهداية قال محمد المراد بالعجماء هي المنفلتة واحتج الأئمة الثلاثة بحديث حرام بن سعد بن محيصة أن نافلة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدته فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدته المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها " رواه مالك في الموطأ والشافعي عنه وأصحاب السنن الأربعة والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي قال الشافعي أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله قال الحافظ بن حجر مداره على الزهري، واختلف عليه فقيل هكذا وهذه رواية الموطأ وكذلك رواه الليث عن الزهري عن أبي محيصة ولم يسم أن ناقة، ورواه معن بن عيسى عن مالك فزاد فيه عن جده محيصة ورواه عن الزهري عن حرام عن أبيه ولم يتابع عليه أخرجه أبو داود وابن حبان ورواه الأوزاعي وإسماعيل بن أمية وعبد الله بن عيسى كلهم عن الزهري عم حرام عن البراء قلت : كذا ذكر بن الجوزي في تحقيق التعليق من طريق أحمد قال الحافظ لم يسمع حرام من البراء قاله عبد الحق تبعا لابن حزم ورواه النسائي من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري أخبرني أبو أسامة بن سهل أن ناقة البراء ورواه ابن أبي ذنب عن الزهري أنه قال بلغني أن ناقة البراء الحديث فالأئمة الثلاثة خصصوا حديث العجماء جبار بحديث ناقة البراء وقالوا كونه جبارا مختص بالنهار قلنا : العام مثل الخاص في كونه قطعيا فلا يحكم بالتخصيص ما لم يظهر اقترانهما ولا بالنسخ ما لم يظهر تأخر إحداهما عن الآخر فبقي التعارض فلا يلزم الضمان بالشك، وأيضا عند تعارض الحديثين يجب المصير إلى القياس والقياس يقتضي عدم الضمان لأن فعلهما غير مضاف إلى صاحبها لعدم ما يوجب النسبة إليه من الإرسال والسوق والقود ونحو ذلك ومن أجل ذلك قلنا فيمن أرسل الدابة في طريق المسلمين فأصابت في فورها أنه يضمن لأن سيرها مضاف ما دام تسير على سنتها وأما إن انعطفت يمنة أو يسرة أو وقفت ثم سارت انقطع حكم الإرسال.
مسألة : وإن كان مع الدابة صاحبها راكبا أو قائدا أو سائقا فوطئت الدابة أو أصابت بيدها أو رجلها أو رأسها أو كدمت أو خبطت أو صدمت واقفة أو سائرة والموضع مملوك لها رقبة أو تصرفا بالإجارة أو الإعارة فلا ضمان على صاحبها إلا إذا كان راكبا عليها ووطئت الدابة لأن صاحبها حينئذ مباشر للإتلاف لأن ثقله وثقل الدابة اتصل بالمتلف فكأنما وطأ جميعا وفي غير هذه الصورة لم يوجد المباشرة بل التسبيب والمسبب إنما يضمن إذا كان متعديا وهو غير متعدي في التسيير ولا في الإيقاف وإن كان الموضع غير مملوك له لكنه مأذون فيه كالطريق للسير دون الإيقاف والصحراء وسوق الدواب للسير والإيقاف جميعا حينئذ يضمن الراكب والسائق والقائد فيما ذكرناه من الوجوه لكن لا يضمن بما نفحت برجلها أو ذنبها لأن المرور في طريق المسلمين مباح معتد بشرط السلامة لأنه ينصرف في حقه من وجه وفي حق غيره من وجه لكونه مشتركا في العامة فقلنا بالإباحة مقيدا بما ذكرنا ليعتدل النظر من الجانبين ثم إنما يتقيد بشرط السلامة عما يمكن الاحتراز عنه ولا يتقيد بها فيما لا يمكن الاحتراز عنه لما فيه من المنع والتصرف والاحتراز عن الإبطاء ونحوه ممكن فإنه ليس من ضرورات التسيير وعن النفحة بالرجل والذنب ليس بممكن مع السير على الدابة فلا يتقيد بالسلامة عنه فإن أوقف في الطريق ضمن النفحة أيضا، وقال مالك لا ضمان في شيء من ذلك إذا لم يكن من جهة راكبها أو قائدها أو سائقها سبب من همز أو ضرب لقوله صلى الله عليه وسلم :" العجماء جبار " وقال الشافعي لا يضمن ما جنت البهيمة بفمها أو يدها أو يجلها أو ذنبها سواء كانت من راكبها أو سائقها سبب ذلك أولا، وقال أحمد ما جنته بفمها أو يدها وصاحبها عليها يجب عليها الضمان وما تلفته برجلها فلا ضمان عليه لقوله صلى الله عليه وسلم :" الرجل جبار " رواه الدارقطني عن سعيد بن المسيب مرسلا والله أعلم.
فائدة : قال مجاهد كان قول سليمان وما فعله داود حكما والصلح خير وقيل إن داود وسليمان حكما بالوحي وكان حكم سليمان ناسخا لحكم داود وهذا قول من قال لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عن الاجتهاد بالوحي وقال لا يجوز الخطأ عن الأنبياء والأظهر أن حكمهما كليهما كان بالاجتهاد إلا أن داود أخطأ وأصاب سليمان فأثنى الله عليه وجاز الخطأ في اجتهاد الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه قال الحسن لولا قوله تعالى :( وكلا ءاتينا حكما وعلما( لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن الله تعالى حمد هذا بالاجتهاد واحتج من قال : كل مجتهد مصيب بظاهر هذه الآية حيث قال :( وكلا ءاتينا حكما وعلما( ولا دليل لهم فيه بل قوله تعالى :( ففهمناها سليمان( دليل على أن الصواب ما فهم سليمان دون داود عليهما السلام وأما حديث عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد " ٢ رواه الشيخان في الصحيحين وأحمد واصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة والمذكور من غير الترمذي عن عمرو بن العاص فهو حجة لنا لا علينا إذ هو صريح في أن المجتهد يخطىء ويصيب وكونه مأجورا حين أخطأ لا يدل على كونه مصيبا لكون الخطأ والصواب متضادان وليس المراد انه يؤخر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة والخطأ عنده موضوع غذ لم ينل جهده وعند الإصابة له أجران أجر الاجتهاد وأجر النيل إلى الصواب والله أعلم.
حديث : روى الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى إما ذهب بابنك فتحاكما إلى داود ج وقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان فأخبرتاه فقال أئتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى " ٣ ( وسخرنا مع داوودا الجبال يسبحن( معه أمره إذ وجد فترة عنه لينشط له مع متعلق بسخرنا أو يسبحن والأول أقوى لفظا والثاني معنا وجملة يسبحن حال من الجبال واستئناف لبيان وجه التسخير ( والطير( عطف على الجبال أو مفعول معه قدمت الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب قال وهب كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير وقال قتادة تسبحن أي تصلين معه إذا صلى وقال ابن عباس كان يفهم تسبيح الحجر والشجر وقيل كان داود إذ فتر بسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه وقال بعض الناس يسبحن من السباحة أي كانت الجبال تسير معه إذا سار ( وكنا فاعلين( ما ذكرنا من التفهيم وإيتاء الحكيم والتسخير
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة باب: أجر الحاكم إذا اجتهد وأصاب أو أخطأ (٧٣٥٢) واخرجه مسلم في كتاب: الأقصية باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (١٧١٦)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء باب: قول الله تعالى: ووهبنا لداود وسليمان نعم العبد إنه أواب (٣٤٢٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين (١٧٢٠)..
التفسير المظهري
المظهري