ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

هذا الشوط الثالث يستعرض أمة الرسل. لا على وجه الحصر. يشير إلى بعضهم مجرد إشارة ؛ ويفصل ذكر بعضهم تفصيلا مطولا ومختصرا.
وتتجلى في هذه الإشارات والحلقات رحمة الله وعنايته برسله، وعواقب المكذبين بالرسل بعد أن جاءتهم البينات. كما تتجلى بعض الاختبارات للرسل بالخير وبالضر، وكيف اجتازوا الابتلاء.
كذلك تتجلى سنة الله في إرسال الرسل من البشر. ووحدة العقيدة والطريق، لجماعة الرسل على مدار الزمان ؛ حتى لكأنهم أمة واحدة على تباعد الزمان والمكان.
وتلك إحدى دلائل وحدانية الألوهية المبدعة، ووحدانية الإرادة المدبرة، ووحدانية الناموس الذي يربط سنن الله في الكون، ويؤلف بينها، ويوجهها جميعا وجهة واحدة، إلى معبود واحد :( وأنا ربكم فاعبدون )
فألهم سليمان حكما أحكم، وفهمه ذلك الوجه وهو أصوب.
لقد اتجه داود في حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث. وهذا عدل فحسب. ولكن حكم سليمان تضمن مع العدل البناء والتعمير، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير. وهذا هو العدل الحي الإيجابي في صورته البانية الدافعة. وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء.
ولقد أوتي داود وسليمان كلاهما الحكمة والعلم :( وكلا آتينا حكما وعلما ).. وليس في قضاء داود من خطأ، ولكن قضاء سليمان كان أصوب، لأنه من نبع الإلهام.
ثم يعرض السياق ما اختص به كلا منهما. فيبدأ بالوالد :
( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير. وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون ؟ ).
وقد عرف داود - عليه السلام - بمزاميره. وهي تسابيح لله كان يرتلها بصوته الحنون، فتتجاوب أصداؤها حوله، وترجع معه الجبال والطير..
وحينما يتصل قلب عبد بربه فإنه يحس الاتصال بالوجود كله ؛ وينبض قلب الوجود معه ؛ وتنزاح العوائق والحواجز الناشئة عن الشعور بالفوارق والفواصل التي تميز الأنواع والأجناس، وتقيم بينها الحدود والحواجز، وعندئذ تتلاقى ضمائرها وحقائقها في ضمير الكون وحقيقته.
وفي لحظات الإشراق تحس الروح باندماجها في الكل، واحتوائها على الكل.. عندئذ لا تحس بأن هنالك ما هو خارج عن ذاتها ؛ ولا بأنها هي متميزة عما حولها. فكل ما حولها مندمج فيها وهي مندمجة فيه.
ومن النص القرآني نتصور داود وهو يرتل مزاميره، فيسهو على نفسه المنفصلة المتميزة المتحيزة. وتهيم روحه في ظلال الله في هذا الكون ومجاليه ومخلوقاته الجوامد منها والأحياء. فيحس ترجيعها، ويتجاوب معها كما تتجاوب معه. وإذا الكون كله فرقة مرتلة عازفة مسبحة بجلال الله وحمده. ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ).. إنما يفقهه من يتجرد من الحواجز والفواصل، وينطلق مع أرواح الكائنات، المتجهة كلها إلى الله.
( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ).. ( وكنا فاعلين )فما هنالك من شيء يعز على القدرة أو يتأبى حين تريد. يستوي أن يكون مألوفا للناس أو غير مألوف.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير