تمهيد :
تتحدث الآيات عن نعم الله على داود وسليمان، ومن هذه النعم : الفهم، والعلم، والحكمة.
( أ ) وخص الله داود بما يأتي :
تسخير الجبال والطير للتسبيح معه، تعليمه صناعة الدروع للوقاية من أذى الحرب.
( ب ) وخص الله سليمان بما يأتي :
تسخير الريح العاصفة التي تجري بأمره، وتسخير الشياطين تغوص في البحر ؛ لتخرج له اللؤلؤ والمرجان، وتعمل له أعمالا أخرى غير ذلك.
٧٩ - فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ.
أعطى الله سليمان الحكمة والفهم، وألهمه حكما يجمع بين العدل من جهة ؛ وبين الرحمة والعطف والبناء الهادف ؛ الذي يرعى الأطراف كلها من جهة أخرى.
وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا.
إن داود وسليمان كليهما أعطاه الله الحكم والعلم، أي : حكمة ومعرفة بالقضاء والحكم، لكنه اختص سليمان بسعة الفهم ؛ والتصور الأوسع، وهذا لا يطعن في داود وحكمه ؛ لأن الفهم منة من الله، قال تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب. ( البقرة : ٢٦٩ ).
وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ.
كان داود ذا صوت حنون، جميل الصوت، حاضر القلب ؛ فكان إذا قرأ الزبور أو سبح الله ؛ تجاوب معه كل ما حوله ؛ فالجبال تسبح بتسبيحه ؛ والطير تسبح بتسبيحه.
وكنا فاعلين. وكان هذا بفعلنا وقدرتنا ؛ حيث جعلنا ذلك معجزة لداود عليه السلام ؛ أن تسبح الجبال معه ؛ وأن يردد الطير تسبيحه ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. ( سبأ : ١٠ ).
وكان هذا من فضل الله عليه ؛ أن ترجع وتردد الجبال معه التسبيح ؛ وكذلك الطير ينطق بمثل ما ينطق به ؛ قال تعالى : اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ. ( ص : ١٧ – ١٩ ).
قال ابن كثير :
وذلك لطيب صوته بتلاوة الزبور ؛ وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا ؛ ولهذا لما مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب ؛ فوقف واستمع إليه ؛ وقال : لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود )٢٥.
ونظير الآية قوله تعالى : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ... ( الإسراء : ٤٤ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة