ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

وقوله : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حميد ؛ أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، قال١ ما يبكيك ؟ قال٢ يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة : رجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري : إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان، عليهما السلام، والأنبياء حكمًا يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود. ثم قال - يعني : الحسن - : إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثًا : لا يشترون به ثمنًا قليلا ولا يتبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحدًا، ثم تلا يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ٣ ] [ ص : ٢٦ ] وقال : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [ المائدة : ٤٤ ]، وقال وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا [ المائدة : ٤٤ ].
قلت : أما الأنبياء، عليهم السلام، فكلهم معصومون مُؤيَّدون من الله عز وجل. وهذا مما لا خلاف٤ فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمرو بن العاص أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ٥ فله أجر " ٦ فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه " إياس " من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.
وفي السنن :" القضاة ثلاثة : قاض في الجنة، وقاضيان في النار : رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار٧.
وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال : حدثنا علي بن حَفْص، أخبرنا وَرْقاء عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء٨ الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا. فدعاهما سليمان فقال : هاتوا السكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى : يرحمك الله هو ابنها، لا تَشُقه، فقضى به للصغرى " ٩.
وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما١٠ وبوّب عليه النسائي في كتاب القضاء :( باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق )١١.
وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة " سليمان عليه السلام " من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشر، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس - فذكر قصة مطولة١٢ ملخصها - : أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على١٣ كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود، عليه السلام، أنها مَكَّنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها. فلما كان عشية ذلك اليوم، جلس سليمان، واجتمع معه وِلْدانٌ، مثله، فانتصب حاكمًا وتزيا أربعة منهم بزيّ أولئك، وآخر بزيّ المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكَنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان : فرقوا بينهم. فقال لأولهم : ما كان لون الكلب ؟ فقال : أسود. فعزله، واستدعى الآخر فسأله عن لونه، فقال : أحمر. وقال الآخر : أغبش. وقال الآخر : أبيض. فأمر بقتلهم، فحكي ذلك لداود، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة، فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم١٤
وقوله : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ : وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّم به تقف الطير في الهواء، فتجاوبه، وتَرد عليه الجبال تأويبًا ؛ ولهذا لمَّا مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب [ جدًا ]١٥. فوقف واستمع لقراءته، وقال :" لقد أوتي هذا مزامير آل داود ". قال يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع١٦ لحبرته لك تحبيرًا١٧.
وقال أبو عثمان النهدي : ما سمعت صوت صَنْج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى رضي الله عنه، ومع هذا قال : لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود.

١ - في ف، أ :"فقال"..
٢ - في ف، أ :"فقال".
٣ - زيادة من ف، أ..
٤ - في ف :"ما لا اختلاف فيه"..
٥ - في ف :"وأخطأ"..
٦ - صحيح البخاري برقم (٧٣٥٢)..
٧ - سنن أبي داود برقم (٣٥٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٩٢٢) وسنن ابن ماجه برقم (٢٣١٥).
٨ - في ف :"إذ جاء"..
٩ - المسند (٢/٣٢٢).
١٠ - في ف :"صحيحيهما"..
١١ - صحيح البخاري برقم (٦٧٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٢٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٩٥٨) والباب فيه "التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين له الحق"..
١٢ - في ف :"طويلة"..
١٣ - في أ :"عن"..
١٤ - تاريخ دمشق (٧/٥٦٥ "المخطوط").
١٥ - زيادة من ف، أ..
١٦ - في ف :"تستمع"..
١٧ - سبق الحديث في فضائل القرآن..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية