تعليق على قصة داود وسليمان
عليهما السلام في هذه السورة
وهذه حلقة خامسة فيها إشارة إلى شيء من سيرة داود وسليمان. وعبارتها واضحة، وقد ورد أكثر ما فيها في سورة سابقة، وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار.
وموضع العبرة فيها عناية الله تعالى بداود وسليمان عليهما السلام لإخلاصهما وما في ذلك من أسوة وبشرى.
وقضية الحرث والغنم جديدة، وهذه أيضا لم ترد في الأسفار المتداولة اليوم التي فيها سيرة داود وسليمان مثل أشياء كثيرة أخرى وردت عنهما في القرآن. وكما علقنا في المناسبات السابقة أن ما ورد في القرآن من أخبار لم ترد في الأسفار المتداولة قد وردت في أسفار وقراطيس كانت متداولة بين يدي اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وضاعت نقول ذلك بالنسبة لهذه القصة.
وقد يؤيد هذا ما روي من تفصيل هذه القصة عزوا إلى ابن عباس ؛ حيث يفيد أن ذلك مما كان متداولا في بيئة النبي عن طريق أهل الكتاب على ما هو المتبادر.
ولقد روى المفسرون القصة في صيغ مختلفة مع الاتفاق في الجوهر ؛ حيث رووا أن غنما لجماعة دخلت كرم جماعة أخرى أو حقل زرع لها فأفسدته فشكى صاحب الكرم أو الحقل أمره لداود، فقضى له بالغنم فراجعه سليمان، وقال : غير هذا يا نبي الله أو قال سليمان : لو كان الأمر إليّ لقضيت بغير هذا، فسأله أبوه رأيه في القضية فقال : تدفع الكرم أو الحقل إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم لصاحب الكرم أو الحقل فيصيب منها، حتى إذا صار الكرم أو الحقل كما كانت دفعت الغنم لصاحبها والكرم أو الحقل لصاحبه.
ولقد علق المفسرون ١ على القصة تعليقات ورووا في مناسبتها روايات وأحاديث يمكن أن تكون قواعد وتشريعات إسلامية.
من ذلك جواز الاجتهاد للأنبياء فيما ليس فيه وحي رباني وتفهيم الله لنبي بحكم أصوب من حكم نبي آخر، وعدم تعارض ذلك مع تقرير الحكم والعلم لكل منهم، وعدم إثم المجتهد إذا أخطأ في اجتهاده والحاكم إذا أخطأ في حكمه، وجواز رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاد إلى أرجح منه، وإن الاختلاف في الاجتهاد يعني تعدد الصواب في القضية. فالصواب الذي في علم الله واحد لا يختلف باختلاف الاجتهاد. وقد أوردوا حديثا نبويا رواه البخاري عن عمرو بن العاص جاء فيه :( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) ٢. كما أوردوا حديثا فيه حكم نبوي في حادث مشابه للحادث الذي روته القصة، حيث روي :( أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا – أي بستانا –فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحوائط حفظها بالنهار وضمان ما أفسدته المواشي فيها بالليل على أصحابها )٣. فصار ذلك تشريعا إسلاميا يحكم به قضاة المسلمين ؛ حيث كانوا يبرئون صاحب الماشية إذا دخلت الأرض نهارا ويضمنونه ما أفسدته إذا دخلتها ليلا.
ولقد روي عن الحسن في سياق هذه الآيات قوله :( لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه – يعني سليمان – وأثنى على هذا باجتهاده يعني داود ) وأن الله اتخذ على الحكام والحكماء ثلاثا أن لا يشتروا بآيات الله وعهده ثمنا. ولا يتبعوا الهوى ولا يخشوا أحدا وهو ما جاء في آية سورة ص هذه : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ ٢٦ ] وفي آية سورة المائدة هذه فلا تخشوا الناس واخشون [ ٤٤ ] وفي آية سورة البقرة هذه : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا [ ٤١ ] وهناك حديث نبوي سيق في هذا السياق رواه أبو داود والترمذي عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :{ القضاة ثلاثة : واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار )٤.
هذا، ولقد أورد المفسرون ٥ في سياق تفسير هذه السورة وعلى هامش هذه الآيات أيضا بيانات مسهبة عن تسخير الجبال والطير لداود وتعليمه صنعة الدروع.
وعن تسخير الريح والشياطين لسليمان والبساط العظيم الذي كان يمتطيه هو ورجال دولته وجنوده، وينتقلون عليه مع صقع إلى صقع. والأبهة العظيمة التي كانت لمظاهره، وما كان الجن يصنعون له من عظائم معزوة إلى علماء التابعين والأخبار مشوبة بالخيال والغلو، وإن كانت تدور في نطاق ما جاء في القرآن من قصص داود وسليمان. وفيها على كل حال كما قلنا في المناسبات السابقة دلالة على أن هذه القصص مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. وليس له مصدر إلا اليهود، وما كان في أيديهم من أسفار لم تصل إلينا، ونقول هنا ما قلناه في المناسبات السابقة أننا لم نر طائلا من إيراد ذلك ؛ لأنه غير متصل بالهدف القرآني الذي هو العبرة والموعظة، وأننا نفضل الوقوف عندما شاءت حكمة التنزيل ذكره في القرآن منها.
التفسير الحديث
دروزة