ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

ففهمناها علمناها. سخرنا ذللنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:واذكر داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ إذ يحكمان في قضية الزرع التي رفعت إلى داود عليه السلام أولا فحكم فيها، فلما علم ابنه سليمان عليه السلام بقضائه فيها دخل إلى مجلس أبيه فاقترح عليه أن يعدل الحكم على نحو آخر، فقضى بما قضى به سليمان، يقول اللغويون : جائز أن يكون داود وسليمان ؛ في موضع المفعول لفعل مضمر وبتقدير مضاف، أي : واذكر نبأ داود وسليمان ؛ و إذ يحكمان ظرف لذلك المقدر، المراد : إذ حكما، إلا أن جيء بصيغة المضارع حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها.
روى ابن جرير ـبسنده ـ عن ابن عباس : رجلان دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث : إن هذا أرسل غنمه في حرثي فلم يبقي من حرثي شيئا ؛ فقال داود : اذهب فإن الغنم كلها لك، فقضى بذلك داود ؛ ومر صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود، فقال : يا نبي الله ! إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال : كيف ؟ قال سليمان : إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل في كل عام ؛ فقال داود : قد أصبت ؛ القضاء كما قضيت، ففهمها الله سليمان ؛ وروى عن قتادة : النقش بالليل، والهمل بالنهار ؛ وذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلا، فرفع ذلك إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الزرع ؛ فقال سليمان : ليس كذلك، ولكن نسلها ورسلها ـ لبنها ـ وعوارضها وجزازها، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل، دفعت الغنم إلى ربها ـ صاحبها ـ وقبض صاحب الزرع زرعه ؛ فقال الله : ففهمناها سليمان .
أما ابن زيد فقد نقل عنه : انفلتت غنم رجل على حرث رجل فأكلته، فجاء إلى داود فقضى فيها بالغنم لصاحب الحرث بما أكلت، وكأنه رأى أنه وجه ذلك، فمروا بسليمان، فقال : ما قضى بينكم نبي الله ؟ فأخبروه، فقال : ألا أقضي بينكما عسى أن ترضيا به ؟ ! فقالا نعم، فقال : أما أنت يا صاحب الحرث فخذ غنم هذا الرجل، فكن فيها كما كان صاحبها، أصب من لبنها وعارضتها وكذا وكذا ما كان يصيب، واحرث أنت يا صاحب الغنم حرث هذا الرجل، حتى إذا كان حرثه مثله نفشت فيه غنمك فأعطه حرثه وخذ غنمك، فذلك قول الله تبارك وتعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وقرأ حتى بلغ قوله : وكلا آتينا حكما وعلما ـ لما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم : إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا قد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما.. ... قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده ؛
روى مسلم وغيره عن عمروا ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر "... وإنما معنى الحديث : إذا أراد أن يحكم، كما قال :{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ.. )١..... فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، أو فرط في ضبطها وحبسها على الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك... قال أصبغ في المدينة : ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذوّاد٢ ؛فركب العلماء على أن هذه البقعة لا يخلو أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تحتاج، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا، وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب حرثه فيها حفظه ولا شيء على أرباب المواشي.
ومع أن سليمان عليه السلام كان أقضى من أبيه داود ـ سلام الله عليه ـ فإن المولى سبحانه قد أعطى كلا من داود وسليمان نبوة وعلما، وقضاء وحكما، وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ذلل الله تعالى الجبال، وأقدرها ـ جل وتقدس ـ بقدرته على التسبيح تجاوب نبيه داود في تسبيحه، كما أنطق الطير بهذا التقديس والتنزيه ؛ وهكذا كان أمره إليهما، .. يا جبال أوبي معه والطير.. )٣ ؛ { وكنا فاعلين ـ وذلك فعل الله تعالى بها، ذلك لأن الجبال لا تعقل، فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين ـ٤


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير