تمهيد :
تتحدث الآيات عن نعم الله على داود وسليمان، ومن هذه النعم : الفهم، والعلم، والحكمة.
( أ ) وخص الله داود بما يأتي :
تسخير الجبال والطير للتسبيح معه، تعليمه صناعة الدروع للوقاية من أذى الحرب.
( ب ) وخص الله سليمان بما يأتي :
تسخير الريح العاصفة التي تجري بأمره، وتسخير الشياطين تغوص في البحر ؛ لتخرج له اللؤلؤ والمرجان، وتعمل له أعمالا أخرى غير ذلك.
٨٠ - وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ.
اللبوس : الدروع.
البأس : الحرب.
ألان الله الحديد لداود عليه السلام، وكان الحديد يلبس صفائح كما يلبس القميص ؛ فعلمه الله صناعة الزرد ؛ وهي حلقات تتشابك مع بعضها ويلبسها المحارب فتحمي صدره من السيوف والرماح.
ومعنى الآية : ألهمنا داود وعلمناه صناعة حلقات الحديد ؛ التي تتشابك مع بعضها فتكون درعا حصينة ؛ يلبسها المحارب ؛ فيتقي بها ضربات الأعداء في الحرب ؛ وقد تعلم داود عليه السلام صناعة الدروع بتعليم الله له ؛ حيث قال تعالى له : وقدر في السرد أي : اصنع الحلقة بتقدير محكم ؛ مناسب للمسمار الذي يربطها بالحلقة الأخرى.
لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ. لتحميكم وتحفظكم من حروبكم، حيث تحفظ المقاتل من ضربة السيف ؛ وطعنة الرمح.
فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ.
على تيسير الله لكم نعمة الدروع ؛ والمراد : اشكروا الله على ما يسر لكم من هذه الصنعة ؛ التي ألانها الله لداود ؛ وجعله بارعا في صناعتها، وتعلمها الناس منه جيلا بعد جيل ؛ وفيه دليل على أهمية الصناعة، وفضل العمل والحرفة وأن الأديان السماوية تحث على العمل والإنتاج ؛ وتحارب البطالة والكسل ؛ فهذه سنة من سنن الله يترتب عليها اعمار الكون.
لقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم : أن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ؛ فقد كان يصنع الدروع وكان أيضا يصنع الخوص ؛ ليأكل من كد يمينه، فما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده.
وكان آدم حراثا يحرث الأرض ؛ وكان نوح نجارا يصنع السفن، وكان إدريس ولقمان خياطين ؛ وطالوت دباغا، أو سقاء، وكل ذلك يدل على أن العمل منهج الأنبياء والصالحين، وطريق المؤمنين الأقوياء.
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق، خير له من أن يسأل الناس )٢٦.
قال القرطبي في تفسيره ما ملخصه :
وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء ؛ القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه ؛ فمن طعن في ذلك ؛ فقد طعن في الكتاب والسنة، وقد أخبر الله عن نبيه داود ؛ أنه كان يصنع الدروع ؛ وكان أيضا يصنع الخوص وكان يأكل من عمل يده... ؛ فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة