ومن الشياطين ، قيل : لمَّا ذكر تسخير الريح -وهي شفافة لا تعقل- ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي : وسخرنا له من الشياطين مَن يغوصون في البحار، ويستخرجون له من نفائسه، كالدر والياقوت، ويعملون عملاً دون ذلك أي : غير ما ذكر ؛ من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل : الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، وكنا لهم حافظين أن يزيغوا عن أمره، أو يُبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج : كان يحفظهم من أن يُفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يُفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل : وكَّل بهم جمعًا من الملائكة، وجمعًا من مؤمني الجن. رُوي أن المُسَخَّر له عليه السلام : كفارهم، لا مؤمنهم ؛ لقوله تعالى : ومن الشياطين . والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال... الخ. ولسليمان الريح... الآية، لمّا كانا -عليهما السلام- مع المُكَوِّنِ كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك "، وذكر في القوت : أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصًا رفيعًا جديدًا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرةً، فأنزلته الريح، فقال : لِم أنزلتني ولم آمرك ؟ ! فقالت : نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عَصَيْتَه. فاستغفر وحملته. هـ بالمعنى. والله تعالى أعلم.
الإشارة : قوله تعالى : ففهمناها سليمان ، قال الورتجبي : بيَّن، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه منَّ على سليمان بعلمه، ولم يمنّ عليه بشيء خارج عن نفسه ؛ من الملك، والحدثان أفضل من العلم ؛ فإنَّ العلم صفة من صفاته تعالى، فلمَّا جعله متصفًا بصفاته منَّ عليه بجلال كبريائه. هـ. وقال في قوله : وكُلاًّ آتينا حُكمًا وعلمًا : حُكمًا ؛ معرفة بالربوبية، وعلمًا بالعبودية. هـ.
وقوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال... الخ. ولسليمان الريح... الآية، لمّا كانا -عليهما السلام- مع المُكَوِّنِ كانت الأكوان معهما، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك "، وذكر في القوت : أن سليمان عليه السلام لبس ذات يوم قميصًا رفيعًا جديدًا، ثم ركب البساط، وحملته الريح، فبينما هو يسير إذ نظر إلى عطفه نظرةً، فأنزلته الريح، فقال : لِم أنزلتني ولم آمرك ؟ ! فقالت : نطيعك إذا أطعت الله، ونعصيك إذا عَصَيْتَه. فاستغفر وحملته. هـ بالمعنى. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي