تمهيد :
سبق ذكر داود وسليمان، حيث امتحنهما الله بالنعمة فكان منهما الشكر لله، واستخدام النعمة في طاعة الله وأردف ذلك بقصة أيوب ؛ في إشارة سريعة إلى صبره على البلاء ؛ ليكون تذكرة وعظة لكل إنسان ؛ في الصبر على البلاء، وفي الشكر على النعماء.
٨٤ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ.
ذكرى : تذكرة.
كان أيوب قد ابتلي في نفسه بالمرض، وفي أولاده بالموت، وفي ماله بالضياع ؛ امتحانا من الله تعالى، وكانت له الأموال والأولاد والزوجة والعافية، وكان دائم الصبر، حيث قالت له زوجته مرة : لو دعوت الله حتى يذهب عنك البلاء ؟ ! فقال لزوجته : كم مكثنا في الصحة والعافية والنعمة ؟ قالت : ثمانين سنة ؛ قال أيوب : كم مكثنا في البلاء ؟ قالت : ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة سنة، فقال أيوب : أستحي أن أدعو الله ليرفع البلاء ؛ ولم أمكث في البأساء مثل ما مكثت في النعماء.
فلما كثر إلحاح زوجته عليه ؛ مد يديه إلى الله متضرعا، طالبا أن يشمله الله برحمته ؛ فاستجاب الله دعاءه ؛ فكشف عنه الضر الذي نزل به اختبارا وابتلاء.
وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ.
استرد زوجته وولدت له من الأولاد بعدد من مات من أولاده ؛ ثم ضاعف الله له عدد أولاده.
رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ.
أي : تلطفا وتكرما وترحما من الله عليه، حيث أكرمه في نفسه وأولاده وماله.
وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ.
وتذكيرا للعباد الصالحين ؛ ألا ييئسوا من فضل الله، وأن يتوقعوا من الامتحان بالبلاء، والكشف بالرحمة والنعماء ؛ وقد ذكرت قصة أيوب في مواضع أخرى في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. ( ص : ٤١ – ٤٤ ).
لقد جعل الله من أيوب نموذجا للصبر ؛ فقد امتحن في نفسه، وفي أولاده وزوجته وأمواله ؛ ثم عوضه الله بالشفاء والعافية، حيث اغتسل بالماء فبرئ ظاهره، وشرب من الماء فبرئ باطنه، ورزقه الله من الأولاد بعدد من مات منهم، ثم ضاعف له عددا من الأولاد والأحفاد ؛ فقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت، ويختبر بعض الناس بالنعماء قال تعالى : ليبلوني أأشكر أم أكفر... ( النمل : ٤٠ ).
وأمره الله أن يأخذ حزمة من الحشيش الأخضر، الذي يختلط فيها الرطب باليابس، وبها أكثر من ١٠٠ عود، فيضرب بها زوجته مرة واحدة، حتى لا يحنث في يمينه ؛ وكان قد أقسم إذا شفاه الله ليضربن زوجته ١٠٠ ضربة، ثم وضع الحق سبحانه وساما يؤيد الصبر، وصدق العبودية، والرجوع إلى الله وعبادته، والتبتل إليه واستمرار ذكره ؛ فقال تعالى : إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب.
وفي الحديث الشريف :( أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل )٢٧.
تفسير القرآن الكريم
شحاته