ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

مِنْ عِنْدِنا، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، وتذكيرا للعبّاد لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب، وصبره عليه ومحنته له، وهو أفضل أهل زمانه، صبروا صبر أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. وأما مدة إقامته في البلاء ففيها روايات،
قال القرطبي: الأصح منها- والله أعلم- ثماني عشرة سنة رواه ابن شهاب الزهري عن النبي صلّى الله عليه وسلم، كما ذكر ابن المبارك.
القصة السابعة- قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل عليهم السلام
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
البلاغة:
الصَّابِرِينَ الصَّالِحِينَ بينهما جناس ناقص.
المفردات اللغوية:
وَإِسْماعِيلَ أي واذكر وَذَا الْكِفْلِ يعني إلياس وقيل: يوشع بن نون، وقيل:
زكريا، سمي بذلك لأنه كان ذا حظ من الله، أو تكفل منه، أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم. والكفل في اللغة بمعنى النصيب، والكفالة، والضعف. قيل: لم يكن نبيا، والأكثرون أنه نبي وهو ابن أيوب عليه السلام، وهذا ما صرح به الرازي والزمخشري، خلافا للقرطبي.
قيل: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذو النون، محمد وأحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

صفحة رقم 112

كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ أي كل هؤلاء من الصابرين على مشاق التكاليف وشدائد النوائب، أو على طاعة الله وعن معاصيه وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا يعني في النبوة، أو في نعمة الآخرة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى صبر أيوب عليه السلام ودعاءه ربه، أتبعه بذكر هؤلاء الأنبياء، فإنهم كانوا أيضا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة. أما إسماعيل عليه السلام: فلأنه صبر على الانقياد للذبح، وصبر على الإقامة ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت، فأكرمه الله بجعل خاتم النبيين من صلبه.
وأما إدريس فكما قال ابن عمر رضي الله عنهما: «بعث إلى قومه داعيا لهم إلى الله تعالى، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى، ورفع إدريس إلى السماء الرابعة» وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح عدّة للحرب.
وأما ذو الكفل: فإنه صبر على صلاة الليل حتى يصبح، وعلى صيام النهار فلا يفطر، ويقضي بين الناس فلا يغضب، ووفى بذلك وبما ضمن على نفسه.
قيل: إنه كان عبدا صالحا، كان يصلي لله كل يوم مائة صلاة، والأكثرون كما ذكرت أنه من الأنبياء عليهم السلام، بدليل اقترانه مع الأنبياء.
التفسير والبيان:
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ، كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ أي واذكر أيها النبي نبأ إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وإدريس بعد شيث وآدم، وذي الكفل أي الحظ الكثير، الذي هو إلياس ومن بني إسرائيل، وقد عاش في بلاد الشام، كل

صفحة رقم 113

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية