ثم ذكر اتفاقهم في التوحيد، فقال :
إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ
قلت : أمة : حال من أمتكم أي : متحدة أو متفقة، والعامل فيه ومعنى الإشارة، والإشارة إلى طريق الأنبياء المذكورين قبلُ.
يقول الحقّ جلّ جلاله : إِنّ هذه الطريق والسيرة التي سلكها الأنبياء المذكورون، واتفقوا عليها، وهو التوحيد، هي أُمتكم أي : ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، ولا تخرجوا عنها، حال كونها أمةً واحدةً ، غير مختلفة فيما بين الأنبياء -عليهم السلام- وإن اختلفت شرائعهم. وفي الحديث :" الأنْبِيَاءُ أبناء عَلاَّتٍ، أُمهَاتُهمْ شتَّى، وأبوهم واحد " والعلات : الضرائر، أي : شرائعهم مختلفة، وأبوهم واحد، وهو التوحيد. قال القشيري : وأنا ربكم فاعبدون أي : ربيتكم ؛ اختيارًا، فاعبدوني ؛ شكرًا وافتخارًا. ه. والخطاب للناس كافة.
لأن ما كان ذوقًا ووجدًا لا يختلف، بل يجده كل من له ذوق سليم. نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم، ومشاربُهم على حسب إعطائهم نفوسَهم وبيعها لله، وتتفاوت أيضًا بحسب التخلية والتفرغ، وبحسب الجد والاجتهاد، وكلهم على بصيرة من الله وبينة من ربهم : نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم، آمين. عباراتنا شتى وحسْنُك واحد وكُلٌّ إلى ذاك الجَمَالِ يُشير
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي