ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال : إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ، وغيَّر الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عزّ وجلّ، وتصدير الجملة بحرف التأكيد ؛ إيذانًا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارًا لمزيد العناية بحال المؤمنين، يُحلَّون فيها من التحلية، وهو التزين، أي : تحليهم الملائكة بأمره تعالى من أساورَ أي : بعض أساور : جمع سوار، من ذهبٍ للبيان، أي يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، ولؤلؤًا ، من جَرَّهُ : عَطَفَهُ على ذهب ، أو أساور ، ومَنْ نَصَبَهُ : فعلى محل من أساور ، أي : ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، أو بفعل محذوف، أي : ويُؤْتَوْنَ لؤلؤًا. ولباسُهُم فيها حريرٌ : أبريسِمْ، وغيَّر الأسلوب، فلم يقل : ويلبسون حريرًا ؛ لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غَنِيُّ عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان : أيُّ لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودًا بالذات. انظر أبا السعود.
وقال بعضهم :( مُحال أن تشهده، وتشهد معه سواه ). وفي مناجاة الحكم العطائية :" إلهي، كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غِبْتَ، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه :( أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان ). وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدًا، فمن كفر بها وجحدها قُطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونًا بسرادقات محيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، لا يَرى إلا ظلمة الأكوان، يُصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حَرُّ التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حَيْرَةُ الدَّهَشِ، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال ؛ لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له : ذق عذاب الحريق، وهو حِرْمانك من شهود التحقيق.
إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يُحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهُدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهُدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنِّه وكرمه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي