ثم إنه سبحانه وتعالى استدل على كمال قدرته بأمور ستة :
الأول : قوله تعالى : ألم ترَ أي : أيها المخاطب أنّ الله أي : المحيط قدرة وعلماً أنزل من السماء ماءً أي : مطراً بأنّ يرسل رياحاً فتثير سحاباً، فيمطر على الأرض الماء فتصبح الأرض أي : بعد أنّ كانت مسودّة يابسة ميتة جامدة مخضرة حية يانعة مهتزة نامية بما فيه رزق العباد وعمارة البلاد فإن قيل : لم قال تعالى : فتصبح ، ولم يقل : فأصبحت ؟ أجيب : بأنّ ذلك لنكتة وهي إفادة بقاء المطر زماناً بعد زمان كما تقول : أنعم عليّ فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له، ولو قلت : فرحت وغدوت شاكراً له لم يقع ذلك الموقع. فإن قيل : لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام ؟ أجيب : بأنه لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ؛ لأنّ معناه أنبتت الأخضر فينقلب بالنصب إلى نفي الأخضر، ووجه ذلك : بأنّ النصب بتقدير أنّ وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بإثباته مثاله أنّ تقول لصاحبك : ألم ترَ أني أنعمت عليك فتشكر، فإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك في تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره، وهذا وأمثاله مما يجب أنّ يتنبه له من اتسم بالعلم في علم الإعراب، وتوقير أهله إن الله أي : الذي له تمام النعم وكمال العلم لطيف بعباده في إخراج النبات بالماء خبير أي : بمصالح الخلق ومنافعهم، فإنه مطلع على السرائر، وإن دقت فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته، وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني