ثم ذكر أهوال ذلك اليوم الموعود، فقال :
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
يقول الحق جل جلاله : فإذا نُفخ في الصور لقيام الساعة، وهي نفخة البعث والنشور، وقيل : فإذا نفخ في الأجسادِ أرواحها، على أن الصور جمع صورة، ويؤيده القراءة بفتح الواو مع الضم، وبه مع كسر الصاد. فلا أنساب بينهم يومئذٍ تنفعهم، لزوال التراحم والتعاطف بينهم ؛ من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، بحيث يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. قال ابن عباس :( لا يفتخرون بالأنساب والأحساب في الآخرة، كما كانوا يفتخرون في الدنيا ) ولا يتساءلون لا يسأل بعضهم بعضاً ؛ لاشتغال كل منهم بنفسه، ولا يناقضه قوله تعالى : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ [ الصافات : ٢٧ ] ؛ لأن هذا - أي : سكوتهم - عند ابتداء النفخة الثانية، وذلك بعدها ؛ لأن يوم القيامة ألوان، تارة يبهتون ولا يتساءلون، وتارة يفيقون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وقال ابن عباس : إنما عنى النفخة الأولى، حين يصعق الناس، ( فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون )، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [ الزمر : ٦٨ ]، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . نقله الثعلبي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي